تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وذكر مسلك مرجئة العصر - المتقدم - في الاستناد إلى قول ابن عباس وأبي مجلز وغيرهما - في ردهم على مسلك الخوارج -، ليستدلوا بذلك على أن من رد الأمر عند التنازع إلى شريعة أخرى غير شريعة الله لا يخرج بذلك من الملة .. ثم قال: ”فالخوارج أبقوا الحكم على ظاهره وصرفوه إلى غير مناطه، وهؤلاء أوّلوه في مناطه وفي غير مناطه .. “ اهـ.

الوجه الثالث: أن يقال، ولأجل ما تقدم، فإن من قال أنها نزلت في اليهود لم يمنع، أنها عامة تتناول كل من وقع فيما وقعوا فيه .. إذ العبرة في النصوص الشرعية العامة عموم اللفظ لا خصوص السبب. و (مَنْ) سواء كانت موصولة أو شرطية أو استفهامية فإنها من صيغ العموم - كما هو معلوم عند أهل الأصول - وقد وقعت في هذه الآية في معرض الشرط .. فتعم وتتناول كل من يشمله اللفظ إطلاقاً وإن كان أول نزولها في قوم معنيين ..

والأصل في اللفظ العام تناوله لجميع أفراده ولا يُصار إلى الخصوص إلا بدليل ..

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في كلامه على التتار: ”فإن نصوص الكتاب والسنة الذين هما دعوة محمد صلى الله عليه وسلم يتناولان عموم الخلق بالعموم اللفظي أو بالعموم المعنوي، وعهود الله تعالى في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم تتناول آخر هذه الأمة كما تناولت أولها“ اهـ[4].

ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى في الدرر السنية: ”القول: (إن خطاب الله في كتابه وخطاب رسوله في سنته إنما يتعلق بمن نزل بسببهم دون غيرهم) هذا لا يقوله أبلد الناس وأجهلهم بالشريعة وأحكامها، بل لا يتجاسر أن يقوله أحد ممن يجادل بالباطل صوناً لنفسه عن التجهيل والتضليل، لأن هذه على الجهالة والضلالة من أبين دليل [5]، ولما يلزم قائله من تعطيل الشريعة والطعن على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتال من ارتد عن الإسلام بعد وفاة نبيهم صلى الله عليه وسلم .. “ وأخذ في سرد لوازم هذا القول الباطل والأدلة على وجوب تحكيم القرآن وتقديمه مطلقاً .. فراجعه في جزء الجهاد ص (89).

ويقول ابنه الشيخ عبد اللطيف في (مصباح الظلام): ”إن من منع تنزيل القرآن وما دل عليه من الأحكام على الأشخاص والحوادث التي تدخل تحت العموم اللفظي، فهو من أضل الخلق وأجهلهم بما عليه أهل الإسلام وعلماؤهم، قرناً بعد قرن، وجيلاً بعد جيل، ومن أعظم الناس تعطيلاً للقرآن وهجراً له، وعزلاً عن الاستدلال به في موارد النزاع. وقد قال تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) [النساء: 59] الآية، والرد إلى الله: هو الرد إلى كتابه والرد إلى الرسول الرد إلى سنته .. وقال تعالى: (لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) [الأنعام: 19] فنصوصه وأحكامه عامة، لا خاصة بخصوص السبب.

وما المانع من تكفير من فعل ما فعلت اليهود في الصد عن سبيل الله والكفر به مع معرفته؟ “ اهـ ص (140).

ويقول الشيخ عبد اللطيف أيضاً في جزء (مختصرات الردود) من الدرر: ”من الأسباب المانعة عن فهم كتاب الله أنهم ظنوا أن ما حكى الله عن المشركين، وما حكم عليهم به ووصفهم به خاص بقوم مضوا وأناس سلفوا وانقرضوا ولم يعقبوا وارثاً، وربما سمع بعضهم قول من يقول من المفسرين: هذه نزلت في عبادة الأصنام، هذه نزلت في النصارى، هذه نزلت في الصابئة، فيظن الغُمْرُ أن ذلك مختص بهم، وأن الحكم لا يتعداهم، وهذا من أكبر الأسباب التي تحول بين العبد وبين فهم القرآن والسنة“ اهـ.

ويقول حفيده الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن، شعراً:

من كان يقصر آيات الكتاب على ... أسباب إنزالها قد نال خسرانا

فالاعتبار عموم اللفظ قال بذا ... من شاد للملة السمحاء أركانا

تساؤلات وشبهات حول المجاهدين وعملياتهم · الصفحة ٥٩٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تساؤلات وشبهات حول المجاهدين وعملياتهمص ٥٩٨