العمارة وسوق الهال وكل المنطقة الممتدة من برج الروس إلى شارع الثورة، هي مرتع أهل الغوطة طوال النهار، ذكريات البيت منقوشة على جدار ذاكرتها، كيف ستتركه؟ تفيض عيناها بالدموع، تداعب أناملها حيطانه، تلقي نظرة على أخشاب السقف والنوافذ، على المساحات الواسعة للغرف والباحة، أجهشت بالبكاء وهي تلملم أغراضها في صرر، لقد باعت عائلة الوردان البيت، واشترت أمها بحصة زوجها بيتين، اعتقدت أن الغوطة ستفيض عليهم حباً وحبوراً، حياة شبيهة بحياتهم في العاصمة، إن لم تكن أفضل، لكن مسحة الجمال التي غلفت أدمغتهم بدأت تتوضح، الانتقادات تنصب على لباس فرات، أمها تعلم أن من الصعب أن تغيّر ابنتها لباسها وتصرفاتها والحرية التي ورثتها في دمشق، كانت طالبة في كلية الفنون الجميلة، قادرة على التنقل، تخرج من البيت صباحاً وتعود إليه أنى شاءت، لقاؤها مع زملائها وعقد صداقات أمر تعودته وتمارسه، النسوة تنظر بريب واستهجان إلى تحديها للباس الغوطة وتقاليدها، تسمع حديثهن، تشعر أنها متجاوزة تفكيرهن بقرن من الزمن، أحلامهن لا تتجاوز غرف النوم والمطبخ، في لقاءاتها القليلة تمنت أن تؤثر فيهن، فكان حوار الطرشان، بعضه محرم وآخر إذا صرحت به تتهم بأشياء لا تليق بشخصيتها، أمها تجاوبت مع محيطها الجديد وغيرت طباعها، آمنت بمثل ومفاهيم أهل الغوطة، وأرادت أن تطبق ذلك على ابنتها، التي أعطاها أبوها من القوة ما يكفيها لعشرات السنين، بعد وفاته أحست أن الناس تآمروا عليها، أمها أقرب الناس إليها بينهما فجوة وبون.
تفقد الغوطة جزءاً من غطائها وخضرتها، تغرق في سبات عاجزة عن بث شكواها، فقدت دندنة الترام الذي ربطها بدمشق، لا شيء سوى ثرثرة السواقي التي تتغذى من فروع بردى ومن المجاري، قاسيون الشامخ شعر أن السّل هجم على رئتيه، بات يسعل وينتحب غير قادر على إعادة ما اقتلع من أشجار.