في اليوم التالي وبعد أن ودعت العائلة شماء، تناست مريم التأنيب الذي طالها منها وبقيت تفكر في الكلام الكثير الذي سمعته فيما بعد.
كان صوت شماء وهي تتحدث منخفضاً جداً. وكانت مريم تصغي إليها بكل حواسها، حتى إن عينيها اللتين تحولتا إلى علامتي استفهام كبيرتين في وجهها راحتا تتفرسان شماء متعطشتين لكل كلمة من كلامها. ولم ترتجف أوصالها حين كانت شماء تؤكد خطورة الأمر وسريته. بل إنها فرحت وسرعان ما نسيت خيبتها. وشعرت بأوهامها السابقة تافهة وصغيرة أمام ذاك الشيء العظيم الذي سمعته وتشربته روحها الظمئة كما تتشرب قطعة إسفنج جافة قطرات ماء تتساقط عليها. لقد وجدت أخيراً الشيء العظيم الذي تبحث عنه دون وعي منذ زمن طويل. وأحست أن غشاوة كانت تعكر الصورة أمامها قد انقشعت. فأصبحت ترى العالم بوضوح:
التغيير. هي تلك الكلمة التي كانت غائبة عنها. هي تلك الكلمة التي لم تفكر فيها وتحاشتها دائماً. برغم حلمها الخفي بها. فقد كانت دائماً تحلم بحياة أخرى، بعالم آخر، وكانت تذوب في الحلم ساعة أو ساعتين لتعود إلى تفاصيل ثقيلة في حياتها، وهي تدرك أنها غير قادرة على فعل شيء سوى الحلم. الحلم الذي لا تملك غيره والذي يشكل لها ملاذاً وحيداً تلجأ إليه حينما تتراكم هموم الحياة أمامها وتصهر كل شيء في نطاق أسود يلتف حول عينيها لا تعود ترى شيئاً من خلاله، فتغمض عينيها وتحلم، تحلم، تحلم، بكل ما تقوى روحها على الحلم، لتتحول عيناها إلى حلمين يائسين يصبوان إلى أفق بعيد ومستحيل! أما الآن فقد غدا هذا المستحيل ممكناً، وستشارك هي بصنعه. وهاهي مرحلة على غاية الأهمية والخطورة تبدأ في حياتها. أحست بحماسة شديدة تجتاحها، وأنها قادرة على أن تضحي بأي شيء تملكه حتى أحلامها في سبيل ذلك. لا بل والأهم من ذلك كله أنها هي، تلك الفتاة البائسة والفقيرة التي داست الحياة بحذاء كبير على رأسها فأبقته محنياً دائماً. ستستطيع رفعه أخيراً، على الأقل أمام ذاتها.
ولدى أول مرة التمع بريق صاف في عينيها، وشعرت برغبة جامحة في الانطلاق.
15
ومضى الربيع سريعاً في ذلك العام ولم يستجب لرجاء في عيني مريم كان يلح عليه بالبقاء…