تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

استلقى الأب في فراشه واهتمت مريم بأن تغطي ظهره جيداً كي لا يلامس الحائط البارد. وبقيت عيناها وفكرها معلقة بالصندوق، فاتجهت نحوه، وفتحته بحذر شديد كي لا يثير ضجة ومدت يدها، ولم تلامس سوى ملابس قديمة فاحت رائحتها، خافت أن تمسك بفأر بدل الرسائل فسحبت يدها بسرعة، لكن فضولها وشوقها جعلاها تمد يدها من جديد غير آبهة لما يمكن أن يصادفها. وغاصت حتى قاع الصندوق. وفي تلك اللحظة خافت أن يسمع أهلها في الغرفة الأخرى صوت دقات قلبها لشدة ما تسارعت واضطربت فيهرعون إليها. لقد لامست يدها الكثير من الأوراق، شعرت برعشة تجتاح جسمها. هاقد وجدت أخيراً ما تبحث عنه. هذا يؤكد أن شماء بالفعل ترتكب جريمة كبيرة، ويعني أنها ستقرأ الآن كلاماً عذباً وجميلاً.

هذا يعني أنها كشفت سراً لا تبغي شماء أن تطلعها عليه. أنبتها هذه الفكرة قليلاً لكنها سرعان ما تناستها.

سحبت بيدها ما استطاعت أن تسحب فقد كان هناك الكثير من الأوراق.

يا لفرحتها العظيمة. وفكرت لحظة أن تخفي الرسائل في عبها لتقرأها فيما بعد بهدوء، تتمتعنْ في كل كلمة، وتقف عند كل حرف لتنخل منه كل معنى مباشر أو غير مباشر. لكن الفضول كان يلح عليها.

كان ضوء الغرفة خافتاً أصفر ينبعث من لمبة متسخة معلقة في نقطة عالية من الحائط بجانب الباب.

استطاعت أن ترى في البداية مابين يديها شيئاً لا يشبه الرسائل، كانت أوراقاً تشبه أوراق الكتب بحروفها المطبوعة، والورقة الأخيرة لم تكن ورقة واحدة، بل كتيباً صغيراً. شعرت بالخيبة، لكنها واست نفسها بأن من الممكن أن يطبعوا الرسائل بهذا الشكل في العاصمة، وقررت أن تبدأ بقراءة الكتيب الصغير، كونه يوحي بفيض من الغرام. ويا لخيبتها الثانية. قرأت ولم تفهم ولم تستوعب ولم ولم ولم. شيء لم تقرأه من قبل لا في الكتب المدرسية ولا في غيرها:

"أيها الزملاء الأعزاء!"

أمن الممكن أن يخاطبها حبيبها بالزملاء. أهو مهذب لهذه الدرجة. ولماذا الزملاء وليست الزميلة؟ استمرت بالقراءة والخيبة تعصر قلبها. وأثار انتباهها ما ختم به الحديث:

"المجد لرفاقنا الشهداء ولرفاقنا الذين يقبعون الآن في سجون النظام المعتمة". أي شهداء وأي سجناء وأي رفاق! لم تفهم.

لكنها فهمت شيئاً وحيداً وهو أن ما كانت تقرؤه ليس برسائل غرام. واكتأبت. وحين رفعت نظرها استطاعت برغم ضعف الضوء أن ترى نظرة الغضب في عيني فاطمة التي وقفت أمامها.

روايات · الصفحة ٨٦٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٨٦٧