استمرت الحركة تعج في البيت عدة أيام، وكانت عائشة قد تبرعت سراً بمبلغ من المال كي تشتري الأم ما يحتاجونه من أدوات منزلية وأنواع حلوى فاخرة للضيافة تليق بالحدث.
بعد مضي شهر حصلت شماء على منحة في جامعة العاصمة، وكان ذلك أيضاً حدثاً كبيراً في العائلة، فقد كانت أول فتاة في القرية تحصل على منحة جامعية. مماجعل أهلها يزدادون فخراً واعتزازاً متجاوزين واقعهم البائس الذي يحني رؤوسهم باستمرار.
لكن الأم وبرغم فرحها ترددت قليلاً بشأن سفر ابنتها إلى العاصمة. وارتأت أن يكون قاسم هو من يبت في الأمر كونه الرجل الوحيد في البيت.
أيدت عائشة هذا الموقف باعتبار سفر شماء إلى العاصمة وإن كان لأمر مهم كالدراسة، فيجب أن يتم بموافقة الأخ، رضخت شماء لهذا القرار برغم إحساسها بالظلم، فمستقبلها بات يتوقف على كلمة يقولها قاسم.
انتظرت الأم عودة قاسم من العمل فاستدعته إلى غرفتهم، وحدثته في البداية عن أمور أخرى، ثم بدأت الحديث بالموضوع المهم.
ـ أنت تعرف أن شماء حصلت على منحة للدراسة الجامعية في العاصمة.
ـ نعم أعرف.
ـ يقولون إن الطالب الذي يحصل على منحة يتقاضى مرتباً شهرياً بالإضافة إلى دراسته على حساب الحكومة.
نظر إليها قاسم وقال:
ـ هذا جيد.
ـ هل يعني ذلك أنك موافق على سفرها؟
ـ ولماذا لا أوافق؟
ـ كما تعرف يا بني كونها فتاة يجعل مسألة سفرها إلى العاصمة وحيدة ليست بالبسيطة، وربما تطلق ألسنة الناس علينا. وقد خفت أن تمانع أنت ضد سفرها وترتئي أن بقاءها هنا سيكون أفضل، لكنك والحمد لله عاقل كما توقعت ولن تقف في طريق مستقبلها.
في الحقيقة، لم يكن ذلك الأمر يهم قاسماً كثيراً، فلتسافر إلى حيث تشاء. بل إنه كان سعيداً لأن عدد الأخوات في تلك الغرفة سينقص، وكان كل ما أثار فضوله في حديث أمه شيئاً وحيداً فسأل: ـ وماهو الراتب الذي ستتقاضاه؟
ـ لا أعرف يا بني، لكنها كما فهمت، ستتقاضى مرتباً يساعدها على العيش هناك دون الحاجة إلينا.
صمت قليلاً، فعادت الأم لتتيقّن من موقف ابنها:
ـ إذن أنت موافق على سفرها؟
ـ نعم موافق.
تنفست الأم الصعداء، فشكرت الله على ذلك، وأردفت:
ـ المسألة الأخرى يا بني هي أنها يجب أن تسافر في الأيام القادمة إلى العاصمة كي تقدم طلب الانتساب للجامعة.
فقاطعها قاسم الذي بدأ يشعر بأن أمه تحمله هماً هو في حل منه:
ـ قلت إنني لا أمانع، أم أنك ترينني أغلق باب الدار بقفل حديدي؟
ردت الأم: