ـ عم تتحدثين؟ أي شاب هذا؟ بل ادعي لها أن تحصل على منحة في الجامعة.
فوجئت الأم بخبر الجامعة، فلم يخطر ببالها ذلك من قبل، وكل مافكرت فيه أن ابنتها قد حصلت على نقاط ترفع من شأنها في القرية فيتقدم لها أصحاب الحسب والنسب غاضين النظر عن وضع أهلها.
وسرعان ما بدأ المهنئون بالتوافد، فانشغلت فاطمة ومريم بتحضير فناجين القهوة المختلفة بالشكل والحجم، إذ لم يكن في البيت سوى ثلاثة فناجين متشابهة مع صحونها، وقررت فاطمة أن يقدمنها إلى الضيوف الأكثر أهمية، أما العصير فلم يكن لديهن أبداً أية كاسات زجاجية مناسبة لتقديمه، ووافقت مريم بعد تردد أن تتجاوز خجلها وتضحي من أجل هذه المناسبة العظيمة فذهبت إلى الجيران قاصدة استعارة الكاسات من عندهم.
كان أول المهنئين العم إبراهيم وزوجته.
هنأ شماء بحرارة مفصحاً عن فخره الشديد بها، فاحمرت وجنتاها وهي تسمع المديح الكثير وشعرت بأنها قامت بعمل بطولي لا تدرك مدى أهميته.
عاد قاسم إلى البيت بعد أن كان قد هنأ شماء في الصباح وخرج، فقامت الأم ونادته حين رأته متوجهاً إلى بيته:
ـ عمك إبراهيم جاء مهنئاً، فتعال واجلس معه.
استجاب قاسم وغير وجهته ودخل الغرفة، وبعد أن سلم على الجميع جلس إلى جانب العم الذي قال:
ـ لا تتذمر بعد الآن ياقاسم من كونك بلا أخ، فقد رزقك الله بأخوات على قدر من الذكاء والحكمة ينقص الكثير من الرجال، وسيكن بعون الله خيراً لك من ألف أخ.
لم يعجب قاسم بالكلام وهيئ له بأن العم يعرض به بطريقة أو بأخرى فلم يعلق واكتفى بهز رأسه، فقال العم:
ـ مابك يارجل، ألست سعيداً بتفوق أختك؟!
ـ لم يستطع قاسم أن يخفي استفزازه وردَّ بشيء من العصبية:
ـ بالطبع سعيد، وماذا علي أن أفعل كي أثبت ذلك، هل أرقص كالأطفال مثلاً.
تعمدت الأم الضحك كي تحد من تصاعد الحوار فقد بدا الاستفزاز واضحاً على قاسم، وقالت مداعبة:
ـ ولم لا، هيا قم وادع زوجتك وأطفالك ولنرقص جميعاً!..
ضحكوا جميعاً، إلا قاسماً، فقد شعر بالاستخفاف بكل مايجري، وبعد أن شرب القهوة قام واعتذر من عمه مدعياً ضرورة العودة إلى العمل، فقال العم:
ـ لا يضر إذا تغيبت عن عملك يوماً واحداً، فنجاح أختك يستحق ذلك.
لكن قاسماً لم يتمالك نفسه ورد بنبرة حادة وهو خارج:
ـ لا أعتقد أن نجاحها سيطعمنا خبزاً.
ساد شيء من الصمت، إلا أن وفود المهنئين سرعان ما بعثت الفرح من جديد وأنستهم قاسماً.