تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهمت عائشة سبب غضبه الشديد عندما بقي المبلغ مع العم إبراهيم. فبعد حوالي شهر كان قاسم قد أنهى بناء غرفة ومطبخ، وأفصح فوراً عن رغبته في الزواج.

ارتبكت الأم برغم أنها توقعت ذلك، بل إنها جهزت الكثير من الردود التي تعجز الآن عن سردها، وحاولت بارتباك واضح أن تشرح له أنها ستكون سعيدة حين تراه عريساً لكن الزواج لا يقتصر على يوم العرس، فهو مسؤولية ويجب على من يقدم عليه أن يكون أولاً قد أسس نفسه بالعمل. فأجابها:

ـ ومن قال أنني لا أعمل؟

ـ لكنك يا بني لغاية الآن لم تستلم أي عمل خارجي، فمنذ أن اشتريت أدوات البناء باشرت فوراً ببناء غرفة لنفسك، وإذا كنت تعتمد على ماتبقى من ثمن الأرض فذلك لن يكون حلاً . يجب عليك يا بني أن تبدأ من خلال عملك بجني النقود، ثم فكر في الزواج، ولن يصدك أحد.

لكن قاسماً أصر على موقفه مدعياً بأنه حين سيتزوج ويستقر مع زوجته سيبدأ حياة جديدة.

اضطر جميعهم للموافقة، فقد كانوا يدركون أنهم لن يستطيعوا صده.

وسرعان ماوجد عروساً. وكان لها أخ تعجل بالإعلان عن رغبته في الزواج من عائشة، التي لم تتردد كثيراً لعلها بذلك تضع حداً لنمط حياتها تلك.

وهكذا تزوج قاسم وعائشة في يوم واحد، ففي اليوم الذي خرجت فيه عائشة من البيت دخلته أخرى. ارتدت عائشةثوبها الأبيض، ووضعت تاجاً علىرأسها، وزينت وجهها. فبدت جميلة، صافية، نقية، إلا من تلك الدموع التي حبستها في عينيها فغاب منها البريق وتلاشى وراء موج يتذبذب في مكانه.

ودّعوها وبقي الحزن يكبل نفوس أمها وأخواتها مانعاً إياهن من الفرح بزواج قاسم وباستقبال عروسه وباعثاً في أغانيهن البهيجة شجى حزيناً.

كانت عروس قاسم ذات عينين واسعتين أميل إلى الجحوظ، أما أنفها الطويل فكان ينتهي بفك متقدم إلى الأمام، وبدت لمريم أشبه بتلك الساحرة التي طير الريح شعرها في الحكايات.

وانتهى العرس، انتهى الفرح/ الحزن.

مضت الأيام وبدؤوا جميعاً يتعايشون مع الحياة بعد أن أعيد ترتيبها.

ـ 10 ـ

بعد زواج قاسم وعائشة ازداد تقشف أسرة الأم، فقد قطع الدخل الذي كانت تجنيه عائشة من الخياطة، ولم يبق لهم سوى العيش على القليل الذي يدره تضمين باقي الأرض، وعقد الأمل من جديد على قاسم. وعزز بذلك من موقع زوجته التي بدأت تتعامل بثقة الحاصل على السلطة الوحيدة في البيت.

روايات · الصفحة ٨٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٨٣٧