ـ لكنني على مايبدو كنت مخطئاً في تقدير الأمور، لذلك خذ النقود يا قاسم ووفر على نفسك الغضب والتوتر. وأرحني من هذا الهم.
شعر قاسم بأن كلام عمه يحاصره من كل الجهات، فلا يستطيع أن يجد أي مخرج يحافظ به على النقود وبنفس الوقت يبقي عمه راضياً بعد أن شكك بأمانته.
لم يبق أمامه سوى أن يرفض النقود، موضحاً أنه لم يكن يقصد الإساءة إليه شخصياً، وإن ما أزعجه في الموضوع هو تستّر الأم والأخوات وخاصة عائشة، وعدم إعلامه بذلك في حينه، وبالتالي فقد كان هو آخر من يعلم بما يجري ويقرر في هذا البيت، وهذا تجاوز صارخ له.
وبشكل دبلوماسي وافق العم على ذلك، وقدم شيئاً شبيهاً بالاعتذار عن لسان الأم وعائشة.
كان قاسم في أثناء ذلك يحدق إلى نقطة أمامه ويفكر، فقد خرج الموقف كله من يده ولا مجال أمامه إلا أن ينصاع ويرضى بما تقرر. وكان ذلك يستفزه أكثر ويجعل النار تشتعل في أحشائه، فحاول أن يغير من مجرى الأمور وقال بعد أن أنهى العم كلامه:
ـ الأمر الآخر الذي أزعجني ـ وترددـ أعني، عندما اشترط ذلك المشتري شراء خمسة دونمات، فقد فكرت أنها فرصة كي أشتري كل ما أحتاج من أدوات عمل وخشب وأقوم باستدعاء العمال، كي تكون بدايتي قوية فيطلبني للعمل كل من ينوي البناء حتى وإن أراد بناء قصر.
استمع العم إلى قاسم بعبوس وظل صامتاً فترة قصيرة ثم رد وهو يرمق قاسم بنظرة ساخرة: ـ في هذه القرية يا قاسم لا أحد يبني القصور…! والبداية القوية لا تكون بمقدار ماتملك من خشب وعمال، بل بسمعتك الطيبة وبقدرتك على أداء العمل الجيد.
فتوكل على الله، وخذ نصف المبلغ واشتر ماتحتاج فقدحان الوقت للعمل، ولا داعي لأن تضيعه في المشاكل والمشاجرات مع أخواتك.
كانت الأم قد دخلت أثناء ذلك وراحت تسكب الشاي وهي تستمع إلى حديث العم، وفي نفسها شعور كبير بالراحة والامتنان لقدومه في اللحظة المناسبة، لكن العم رفض أن يشرب الشاي ولم يضعف أمام إصرار زوجة أخيه على البقاء معهم لتناول طعام الغداء، وعاجل بالخروج بعد أنهى كلامه مع قاسم.
في الأيام التالية لم تتح عائشة ولا أي شخص آخر في البيت لقاسم أن يفجر العاصفة التي كانت تعوي في داخله. فقد حافظوا جميعاً على تجنبه تماماً.
وسرعان ما اشترى قاسم الخشب وأدوات البناء، وشغل معه أحد العمال، ثم اختار نقطة بعيدة عن الغرفتين الطينيتين في ساحة الدار وبدأ الحفر فيها.