عاشت دير الزور في ظل حكومة ( الفلت ) أشهراً حلوة برغم كلّّ سلبياتها، وقد توهم الكثيرون أن دير الزور أصبحت دولة مستقلّة، واعتقد آخرون أنها تتمتع بحكم ذاتي لا يطبّق عليها ما يطبق على الولايات السورية، حتى إن حاكم المدينة الديري لا يعرف تماماً مع أي فئة يقف مدافعاً، لكنه استأثر بالتعيين والتسريح ومنح الألقاب والرتب أسوة بالولاة الأتراك ... روى المختار حكاية جرت أحداثها أمام عينيه:
( جاء أحد أقرباء الحاكم إليه، وطلب منه أن يمنحه رتبة عسكرية، فقال له الحاكم: ضع على كل كتف نجمة وانصرف، لكن القريب أبى. فقال له الحاكم اجعلها نجمتين، فأبى. فقال له اجعلها ثلاثاً ويا أهلاً وسهلاً، فأبى. وقف حينذاك الحاكم منتفضاً، واقترب من قريبه قائلاً: لم يبق لي إلاّ أن أعطيك مكاني هذا، وأنصرف أنا. فقال له: ومن قال لك أنني أريد مكانك ؟ أنا لا أريد سوى أن أعلّق على كلّّ كتف نسراً. فوافق الحاكم على مضض، وكتب في ذلك كتاباً، فانصرف القريب مسروراً ).
ضحك كلّّ من كان في المضافة، وروى كلّّ واحد منهم حكاية سمعها من الآخرين، معظمها ملفّق، لكنها مضحكة. أمضوا سهرة طويلة عليها، حتى وهم يتناولون العشاء لم يسلم الحاكم أبداً من نوادرهم عليه، وعلى أعضاء حكومته. قبل أن يغادروا المضافة استوقفهم علي بك، واقترب من أبي ياسين، وسأله مستفهماً:
ـ لم تقل لي يا أبا ياسين، هل أخذ منك الضباط الأتراك كلّّ الأسلحة التي بحوزتك ؟
أجاب أبو ياسين ضاحكاً:
ـ لا تخف علي. لقد أخفيت الصالح منها في صندوق ملابس زوجتي، وعندما رأوا ما لدي، هزّوا رؤوسهم وانصرفوا.
ـ بطل يا أبا ياسين .. بطل والله .
قال أبو أحمد الصبّاغ متسائلاً:
ـ إلى متى سنظل على هذا الوضع يا أبا راغب ؟
ـ اطمئن يا أبا أحمد .. سيصل الشريف علي ناصر ومعه المتصرّف الجديد بعد غد في الرابع من كانون الأول 1918.
ومن المتصّرف الجديد ؟
ـ مرعي باشا الملاّح.
ـ لكننا لم نسمع به أبداً.
ـ مرعي باشا رجل وطني، وله تاريخ حافل بالنضال، وأرجو أن تتعاونوا معه، وتطمئنّوا له.
قال أبو ياسين محتدّاً:
أنا لا أطمئن للباشوات أبداً يا أبا راغب.
ـ لكن مرعي باشا غير ما تظن يا أبا ياسين، ها هو رمضان باشا حاكم الرقة، وهو وطني غيور من أبناء الدير.
سكت أبو ياسين، فقال أحمد الصباغ: