تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…عبثاً حاول سعيد، بل كامل دعسان نفسه، إقناعها بأن الحرب مع الألمان انتهت، وأنه لا ثورة في البلاد الآن أيضاً. قالت له وقد نفذ صبرها :

…(.. يا ابني الله يرضى عليك، ما حيلتي غير هالولدين ثلاثة.. انت عاجبك البوليس الاضافي.. ولاَّ غراب البين.. انت حر في نفسك.. الله يسِّهل عليك.. وخلينا في حالنا ..!).

…مضت شهور على زيارة عمنا أبو محمد لنا. أوعزت إليَّ والدتي بأن أزورهم، في طريق عودتي من المعسكر، كيلا (نقطع حبل المودة) بيننا وبينهم. وإذ فعلت رحَّبوا بي جميعاً، بل أصرّوا على أن أبيت لديهم تلك الليلة .

…أخذت أتردد عليهم من حين لحين. وفي الأمسيات أنفرد بمحمد لنتحدث عن الدراسة.. العمل في المعسكر.. البنات مريم ومي وأمينة. يحدثني هو عن ابنة الجيران (عطاف الشامية). تحبه هي، وتختلق شتى المعاذير لكي تأتي إلى دارهم، ولا سيما أن بين أخواته من ثماثلها سنّاً. فوداد وسهام في الرابعة والخامسة عشرة. أمها لا تمانع في ذلك، فهي أيضاً صديقة حميمة للخالة أم محمد. ينادونها (أم عطاف) إذ هي لا أبناء ذكور لها. وهي تجد فيها أختاً، تأنس إليها في غربتها عن ديار الشام. لزوجها بقالية في (العجمي)، وليس لها سوى عطاف وهدايت.

…نمضي أحياناً إلى ساحة المدينة. دوَّار الساعة، ثم شارع اسكندر عوض. نقف أمام الواجهات، نتأمل معروضاتها، من ملابس وأحذية وعطور. وقد نتابع إلى المنشية، أو نعود إلى الساحة، حيث تنتشر دكاكين الحلوى أيضاً : المهلبية بالجوز والقرفة والمازهر ترش على سطحها ،. والتمرية الناصعة البياض، تثير الشهية وقد غمر سطحها بالسكر.. العوامة.. تغرينا براعة صانعها، وهو يقطع العجين ثم يلقي به في المقلاة. وجمع غفير من الشبان يتناولون العوامة أو ينتظرون.. فالمشهد جميل مؤنس. ثم العودة إلى المنزل.. نسير صعداً إلى العجمي، مروراً بالمستشفى (الطلياني).

كانت عطاف في منزل العم أبو محمد عند وصولنا تجلس إلى شقيقاته، كفَّت الفتيات عن الحديث. تضاحكن بصوت خافت، قبل أن تسرع عطاف نحو باب الدار، متحاشية النظر إلينا، وهي تحدق إلى موقع قدميها.

قالت أم محمد، وهي تضحك، بلهجة تنمُّ عن معرفة وثيقة بما يجري بين محمد وعطاف:

…- (متى نزوجكم يا أولاد ..؟ والله كبرتوا يا حبايبي ..!)

…أصابتنا الدهشة والخوف معاً، فلم نحر جواباً. بل تجاهلنا ما قالت تماماً. بيد أنها أردفت :

روايات · الصفحة ٥٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٥٩٠