…اتخذ البوليس هذه المرة من المدرسة مقراً للتحقيق. ولكن كما حدث في مرات سابقة، أقفل التحقيق دون الوصول إلى نتائج حاسمة. وإذ علمنا فور عودتنا من الكرم بأننا كنا على مسافة قريبة من مكان الجريمة، أصابنا الهلع، فبيارة النجار، لا تبعد كثيراً عن الكرم، وأنه في الساعات التي كنا فيها هناك، كان البوليس والإسعاف ينقلون القتلى إلى القرية. أما من ذا الذي أبلغ عن الحادث، فهو جمَّال مرَّ مصادفة بمحاذاة بيارتهم، حين رأى جثثهم الملقاة على الرمال، ومن حولها بركة من الدماء، فانطلق مرتاعاً ليبلغ أهل القرية بما رأى. ولكن هؤلاء لم يصدقوا النبأ، أول الأمر، لغرابته و هوله. من ثم اقتادوه إلى المكان المزعوم، بعد أن أعلموا نقطة بوليس المحطة بالأمر .
…آلت أمي على نفسها، ذلك اليوم ألا نذهب إلى الكرم، أو إلى أرضنا وحدنا بعد ذلك. حمدت الله على نجاتنا، فيما هي تلوم نفسها على ما أقدمت عليه، وكان ممكناً أن يجلب لنا الأذى. كما أنها قررت أيضاً أن (تضمِّن) الكرم في الموسم القادم لأي ضامن يتقدم إليها، كما كانت تفعل في السنوات الماضية. لم تستقر القرية بعد ذلك على حال. فالتوجس والحذر والريبة تنتاب الجميع. يفكرون حيناً في اليهود، وحيناً في دار أبو سالم. قال قائل منهم :
….. اليهود إذن بدأوا يتجهون إلينا من جديد، بعد الانكليز.. وهذه جريمة لا يقدم عليها إلا اليهود قساة القلوب .
….. هم لا يتورعون عن قتل أبناء جلدتهم، إذا ما رأوا في ذلك مصلحة لهم، في سبيل تحقيق أهدافهم. أم تراكم نسيتم بواخر المهاجرين التي نسفوها، كالباخرة (باتريا) في خليج حيفا، التي فجرها أحد إرهابييهم ويدعى (مناحيم بيغن). لقد ضحوا بكل من على متنها بجريمة بشعة، فقط لكي يلصقوا بالانكليز تهمة إعاقة الهجرة ..! بل إن قيادات منهم، كما يتردد ويقال، ضالعة مع النازيين أنفسهم، من أجل تهجير المزيد منهم لبلادنا، عن طريق إرهابهم وتخويفهم بما يثيرونه ويشيعونه، وهو صحيح حيناً وباطل حيناً، عن أعمال إبادة وتعذيب يوقعها بهم أولئك. الغاية من وراء ذلك أن يدفعهم الذعر إلى الفرار. ومن ثم الهجرة إلى فلسطين. وما داموا يقترفون جرائم بهذا الحجم ومن هذا القبيل حيال شعبهم نفسه، فأين وجه الغرابة في قيامهم بقتل عدد من العرب هنا أو هناك..؟