تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…راديو الحاجة أم سايحة أصبح يغنينا، لبعض الوقت، عن راديو مقهى القاضي. يتحدثون عن فيلم جديد لأسمهان تمثل فيه وتغني. يقولون أنه سوف يهز الدنيا بقصته الغريبة وبأغانيها في ذلك الفيلم، التي سمعوا منها حتى الآن بالراديو ..(ايمتى حتعرف ايمتى.. إني بحبك انت).. (أنا اللي أستاهل كل اللي يجرى لي).. (أهوى يا من يقول لي أهوى). ومع كل أغنية حكاية يختلقونها. اسم الفيلم في حد ذاته مثير للخيال والجدل ..(غرام وانتقام). ومحمود عنان السفرجي، لا يفتأ يشنف أسماعنا، فيما هو يروح ويجيء، يحمل الأطباق الفارغة والملأى، بواحدة ثم بأخرى من تلك الأغاني، طوال نوبة عملنا مما يثير عجبنا وإعجابنا. كيف حفظها؟ من علمه غناءها وهي جديدة لم تسمع إلا عن قريب..؟ وهو يعدنا، أيضاً باصطحابنا لحضور الفيلم عند عرضه في سينما فاروق.. وربما الحمراء بيافا. غير أن نبأ مفاجئاً ينقض على رؤوس الناس كالصاعقة بغير مقدمات :

….... ماتت أسمهان ...! وماتت قبل إنهاء الفيلم .

…ذهل الناس ولم يصدقوا.. لا بد أنه نبأ ملفق.. إلا أنهم ما لبثوا أن تأكدوا من صحة النبأ، بعد أن أذاعته الإذاعات، وكتبته الجرائد جميعاً. بل ووصف لكيفية موتها، غرقاً في النيل، وما أحاط بالحادث من غموض. فبعض نسبه إلى القضاء والقدر وحدهما، وبعض رأى فيه حادثاً مدبراً، وأن لزوجها الممثل (أحمد سالم) يد في ذلك وبعض أصرَّ على أن للانكليز يداً في الحادث، متذكرين الطريقة التي قتل فيها الملك غازي منذ سنين، وأكدت الأيام أنهم كانوا وراء مقتله.. صحيح ... ليس صحيحاً ... معقول ... ليس معقولاً ..! لكن الأنباء السيئة قلما تكون كاذبة : أسمهان ماتت. والحزن من أجلها في كل مكان. كانت كالحلم.. كالخيال.. كالأسطورة.. تلك الشمعة التي أضاءت ليالي سمرهم انطفأت سريعاً، فعمر الشموع قصير دائماً، وقد خلفت وراءها ظلاماً وقتاماً .

في المساء، ونحن جلوس على الشرفة، تناهى إلينا صوتها، من مقهى القاضي، حزيناً ومحزناً:

فرَّق مابينا ليه الزمان ... ده العمر كله بعدك هوان.

روايات · الصفحة ٥٥٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٥٥٨