تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…تكتنفني الوحشة والشعور بالضياع في الأمسيات، حين أجد نفسي وحيداً بغير رفيق أو صديق من لداتي، فضلاً عن افتقادي لأخي سعيد. حتى حين أنشغل بتدريس كل من أحمد وعلياء، فإن ذلك لا يعوضنني شيئاً عن غيابه. أمي أيضاً حزينة واجمة أكثر وقتها. لكنها عاجزة عن تغيير شيء فيما يجري. يجمعنا العشاء في المساء. لكن لا العشاء، ولا الأمسيات، كانت هي التي اعتدناها. يظل الصمت باسطاً سلطانه طوال الوقت. أمينة ابنة عمنا الجديد، بدت لي أكثر رقة مما حسبت أول الأمر. وهي لا تنفك عن محاولتها استرعاء انتباهي، بوسائل شتى تلجأ إليها. كأن تناولني إبريق الماء القريب منها، أو رغيف الخبز، أو كوب الشاي. وهي تسعى عندما نكون وحدنا إلى التحدث إليَّ في شأن يعنُّ لها أو أمر تختلقه اختلاقاً. إلا أنني أفكر في سارة والمعسكر ومريم التي ذهبت.. أما (مي) فقد بات اليأس من احتمال عودتها إلينا، مع أبيها، أمراً مقضياًّ .

…لماذا لا يحدث دائماً إلا الأسوأ؟ لماذا نفقد الأحبة دائماً؟ أتراه صحيحاً ما يتناقلونه في الحكايا من أن (اللي انكتب عالجبين لازم تشوفه العين ..)، تلك الحكمة التي يعلنها المطرب محمد عبد الوهاب بصوته الجميل..؟ وهل هذا الذي نحن فيه، هو ما خطته يد القدر على جباهنا.. أم تراها تلك الرصاصة ..؟ ويا أيها القدر ماذا تخبئ لنا من بعد ؟

…الكآبة تبسط ظلها على البيت كله. بل إن الناس جميعاً في القرية تعتريهم مثل هذه الكآبة، ومعها القلق والأرق والتشاؤم. مسغبة العيش.. الأنباء المحبطة عن اليهود والحلفاء والمحور. جيء بالأمس بابن (الحملاوي) مقتولاً على جبهة مصر. قيل في طبرق، قيل في العلمين، في النورماندي.. ما من أحد يدري على وجه اليقين. تخرُّصات ليس إلا. المهم هو أنه فقد حياته هناك، في حرب لا شأن له بها ولا بأصحابها. نعاه بعضهم بوصفه شهيداً، فيما رأى فيه آخرون مجرد قتيل في سبيل الانكليز ،أي في سبيل الشيطان ..!(أيموت من أجلهم، يا ناس، ويسلك في عداد الشهداء)..؟

روايات · الصفحة ٥٤٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٥٤٠