تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…أمنَّت أم مريم على قولها بأن البنات يكبرن عادة قبل الأولاد. وحين دعت لها والدتي بأن يقيِّض الله لها (ابن حلال) في وقت قريب.. إنه سميع مجيب، أكدت لها أم مريم بأن الذين طلبوها حتى تلك اللحظة (بعدد شعر رأسها). وافقت والدتي على ذلك بأن البنت (مثل الوردة اللهم صلي على النبي) فلماذا لا يتقدم لها من هم بعدد شعر رأسها ورأس أمها أيضاً ..!؟

…اعتراني ضيق مباغت، دونما سبب واضح للجزء الأخير من حديثهما. أمعنت النظر فيها. حقاً لقد كبرت. فهل تتزوج غداً وتبتعد عنا أكثر مما ابتعدت. صحيح أني لا أتمكن من رؤيتها والتحدث إليها إلا لماماً هذه الأيام، إلا أن فكرة زواجها، وابتعادها من ثم عن الحي، زادتني ضيقاً وانقباضاً. هممت بمغادرة المكان، ولكن مريم هنا، والفرص المتاحة للقائها باتت أندر من خبر سار..! أم تراني نسيت محاولاتي من أجل أن أراها، من حين لحين، عن طريق ابنة خالتي فاطمة، حينما تذهبان لملء الجرار من حاووز الهمص؟ لن أضيع هذه الفرصة إذن. لأصبرن.. فإن الله مع الصابرين. وكل ما نحن فيه يدعو إلى الصبر والتصبر ..! "أمي هذه التي تزوجت (أبو صافية) أخيراً.. وأبو صافية نفسه الذي اقتحم حياتنا على غير رغبة منا أو انتظار.. أبي.. وتلك الرصاصة.. وذلك الانكليزي الجبان.. إلهي اجزه شر الجزاء.. إنك أنت المنتقم الجبار ..".

…نظرت حولها في صباح اليوم التالي. تتفقدهم. لم يكن هناك أحد غير علياء. تحدث نفسها : أحمد في المدرسة. أمين لم يذهب لمعسكر الانكليز فأين هو؟ سعيد خرج مهموماً مغموماً حتى دون أن (يصبِّح). لم يصفق الباب وراءه، كما اعتاد أن يفعل عند خروجه غاضباً. أغلق الباب بهدوء ومضى.. احتضنت علياء، وانخرطت في بكاء صامت، بدا لها كأنه سوف يمتد إلى ما لا نهاية :" آه يا أحبائي.. ماذا صنعت بكم ..؟ الله يجازيك يابا.. الله لا يوفقك يا خوي يا رمضان.. أنت السبب..!".

…عند ناصية الشارع، قريباً من دار أبو زكي العبسي، وقف سعيد يتكئ على الحائط، فيما جلست قبالته على الحجر الرابض لصق الباب ،كأنه هناك منذ الأزل. لكنه بدالي وكأني لم أفطن إلى وجوده إلا هذه الساعة. أحدق في أرض الشارع. سعيد أيضاً مطرق إليها. يضم ذراعيه متقاطعين على صدره. يزفر حيناً.. يتنهد حيناً.. يضرب الجدار حيناً ثالثاً ... ثم يقول كمن يحدث نفسه دون أن ينظر إليَّ :

…- لماذا حدث هذا يا أمين ..؟

روايات · الصفحة ٥٣٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٥٣٣