…لم تنم تلك الليلة. وقع المطر المنهمر فوق القرميد، والريح العاصفة رغم أن الشتاء يوشك أن ينقضي.. شباط في أواخره. أيام (المستقرضات)، وقصتها مع البدوية، التي شكت شح المطر ذات يوم، فاتفق شباط وآذار على إرضائها من جهة، والانتقام منها لسخريتها منهما من جهة ثانية. أهاب أحدهما بالأخر قائلاً " يا خوي يا شباط ثلاثاً منك وأربعة مني حتى تخلي واديها يغني .." وهكذا أخذت الأمطار تنهمر كالسيل سبعة أيام بلياليها.. فامتلأ الوادي وغرق قطيع أغنامها.. وهي نفسها أوشكت على الغرق، لولا أن الله سلم ..! ضحكا منها و وعداها بمثل ذلك في العام القادم ..!
…حتى هذه الحكاية التي جنح إليها خيالها، في تلك الليلة الظلماء، لم تجلب النوم إلى عينيها. وهذا ال (أبو صفية) الذي لمَّح باسمه والدها في زيارته الأخيرة لها. هل هو الرجل الذي يلائم ظروفها؟ وانه ليس أكثر من (شغّيل) في البيارات والبناء. الأهم من هذا كيف يكون وقع الأمر على الأولاد؟ لا سيما الكبيرين.. وإذا ما عيرَّهما رفاقهما.. أمك تزوجت يا سعيد ..! أبو صفية عمك زوج أمك يا أمين ..! (يا إلهي).. أمسكت رأسها بين يديها، تحركه يمنة ويسرة ألماً، واللوعة تعتصر قلبها. طفرت الدموع من عينيها.. بكت وبكت.. دفنت رأسها في الوسادة، التي سرعان ما بللتها الدموع. ولكن المطر ما برح ينهمر، يقرع القرميد بعنف أشد، والنافذة الغربية تصطفق.. والريح ما انفكت تعصف بالأشجار فتتكسَّر الأغصان تحت وطأتها التي لا ترحم. أعياها الألم والأرق معاً.. أرهقها الحزن والأسى فأغفت. أبو صفية بعينيه الحادتين يقترب منها.. يحاول أن يبتسم لها.. لكن ابتسامته مخيفة.. هذه أنياب ذئب.. يقترب أكثر.. يمسِّد شعرها براحة كفه الثقيلة فتصدمه.. تكبر الأنياب البارزة من فكيه كلما اقترب.. ينقض عليها، ينوي التهامها.. تدفعه عنها بكلتا يديها، وتهم بالفرار من وجهه، فيما هو ينقض للأمساك بها.. تدفعه عنها .. تصرخ في وجهه والروع يخنقها ... يتراجع..يبتعد.. يختفي.. تنظر فيما حولها.. تلفي نفسها تجلس في فراشها ،و الأولاد من حولها نيام، تتردد وانية أنفاسهم الرتيبة الهادئة. إلا أن (سعيد) الذي صحا للتو.. يتساءل مرتبكاً :
…... ما بك يا أمي ..؟