تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…في منزل العم (أبو زكي العبسي) قضينا أمسيتنا، بصحبة جيران جاءوا إليهم، حين سمعوا بأن لديهم زواراً من بلدهم، لكي يشاركوهم سهرهم وسمرهم. كما في كل مكان آخر، دار حديثهم حول الانكليز و اليهود والهجرة، جور حكومة الانتداب، وصنيعها في يافا حيث هم الآن. ينتابنا الضيق أنا و فوزي إذ أننا لم نحسب، منذ البداية، أن جل رحلتنا سوف ينقضي في الاستماع إلى الكبار، الذين لا همَّ لهم سوى الحديث عن الثورة.. بطولاتها، مآسيها، مظالم الاستعمار وتجاوزاته على الحقوق والبشر، واليهود وأطماعهم في بلادنا. ولكن ماذا نصنع؟ ليس في وسعنا غير الصمت والاستماع أيضاً ..! كان أبو زكي، لا ينفك عن ترديد عبارات الترحيب، التي لو أحصيناها (أنا وفوزي) لبلغت أرقاماً عالية ..! كذلك كانت الخالة (أم زكي) التي أبدت مودتها وحبها للخالة نعمة، على وجه الخصوص. كما انهم - العم أبو زكي وحرمه - لم يدعا سانحة تمر دون الاستفادة منها للمباهاة بما هما فيه. سواء العمل أو الأقامة في يافا، الأمر الذي يتمناه الكثير من القرويين. قدمت لنا (أم زكي) عشاء يافاوياً سخياً، على غير ما ألفنا في يبنا. أطباق عديدة حفلت بأصناف شتى من الطعام. و لا ينفك الرجل وحرمه يقسمان علينا بأن نتناول المزيد. ولكن على الرغم من رغبنتا أنا وفوزي الاستجابة لرجائهما - برّاً بالقسم على الأقل - إلا أننا لم نجرؤ على ذلك، أمام نظرات خالتي المحذِّرة.

…في الصباح الباكر مضينا بصبحة العم(أبو زكي) إلى كراج بامية، ولكن ليس قبل إفطار شهي، وسخي أيضاً، أصرَّا على تقديمه لنا، كي لا نشهرِّ بهم لدى أهل يبنا. كأن نقول بأننا خرجنا من لدنهم دون أن يقوموا بواجبهم نحونا. قال هذا العم (أبو زكي) وهو يقهقه عالياً ويضرب بكفه الثقيلة على كتف عمنا عبد الكريم الهندي ...!

- 35 -

روايات · الصفحة ٥١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٥١٢