تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تناهى إليهم صوت المؤذن قادماً من الحرم الابراهيمي. هبَّ الرجال وقوفاً، وكأنهم فوجئوا بسماعه على حين غرة. لم تمض دقائق قليلة حتى كنا نسير في موكب مهيب، في الطريق إلى الحرم الابراهيمي لأداء صلاة العشاء. جموع المصلين تفد تباعاً فرادى وجماعات. الأنوار الباهرة تضيء صحن الحرم وباحته الخارجية. الأعمدة العتيقة الضخمة البادية للعين، وكأنها وجدت هنا منذ الأزل. السجاد الملون، برسومه الجميلة يغطي أرض الحرم. نوافير الماء في الباحة الفسيحة الأرجاء. كدنا ننسى ما حولنا. أخرجنا من استغراقنا هذا انتهاء الصلاة، وسماع التكبير والتلاوة. ثم يتفرق الناس، ونمضي لقضاء ليلتنا الثانية. حفلت ليلتي بالرؤى والأحلام. شيخ وقور لا سبيل إلى وصفه.. كأنما هو قادم من أعماق التاريخ، يحمل في يده مصباحاً يشع نوراً باهراً. يقول بلهجة استنكار: يزعمون انتماءهم لي وهم ليسوا كذلك. أنا مشرقيٌّ ومقامي هنا، منذ فجر التاريخ، وهم جاءوا بالأمس من بقاع في مغرب الشمس. سبقتُ أصل وجودهم بألف سنة فكيف يدَّعون قرابتي. أنتم أبنائي والأرض لكم ... يصمت الشيخ قبل أن يهديني المصباح، وهو يشير لي بيده صوب الشمال. ألتفت إلى حيث يشير، فأرى قبة الصخرة ومآذن الأقصى تسربلها ظلمة حالكة.. ولكن مصباح الشيخ، ومن هذا البعد السحيق ينشر الضياء عليها وعلى ما حولها.. ثم يقول وهو يقدم لي المصباح بيد وسيفاً باليد الأخرى: " هذا هو الطريق إليها ..!"

…- 33 -

…- ها نحن أخيراً في القدس يا فوزي. عمك (الهندي) وفى بوعده، هذه المرة، يا ابن خالتي. ولكن هل سنمكث في القدس بعض الوقت، أم تراه يتعجل سفرنا كعادته؟ قال فوزي :

…- يا حبيبي المهم أننا سنمضي يوماً على الأقل هنا، فهذه هي القدس يا أمين وليس غيرها. ثم انهما يعتزمان، هو و أمي أداء صلاة الظهر، في حرم المسجد الأقصى، حيث الصلاة جماعة في هذا المكان الذي بارك الله حوله، تعدل لا أعرف كم صلاة عادية في مكان آخر. أليس هذا ما كان يقوله لنا الشيخ محمد أبو العينين، أم تراك نسيت ..؟

…خالتي تنادي إذ سبقناهما بمسافة عشرين أو ثلاثين متراً، في ذلك الشارع الضيق، ذي الحجارة الضخمة الداكنة، والأرض المبلطة بالحجارة. تنادي خالتي آمرة إيانا (قف انت وهو). توقفنا إلى أن لحقا بنا. حذرتنا عندئذ، بأننا يمكن أن نضيع في لمح البصر وسط هذا الزحام، وماذا تصنع ساعتئذ؟ هل تطلب المنادي للبحث عن (مسخوطين) ضائعين ..!؟

روايات · الصفحة ٥٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٥٠٨