تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…ابنتها (خضرة) التي تناهز الأربعين لا تشبهها في قليل أو كثير. سمراء حنطية ممتلئة، لا تبدو عليها حدة ذكاء والدتها. عيناها عسليتان خاملتان. شعرها فاحم تظهر منه خصلات نافرة، تعيدها إلى مكانها باستمرار، تحت خمارها الأزرق، بحركة باتت آلية، لتكرارها على الدوام. القلق بادٍ في عينيها وحركات يديها العصبية. وهي لا تكف عن الكلام إلا إذا استولى على دفة الحديث من يستطيع إرغامها على الصمت ..!

…حديث الحاجة المفضل يدور، في أغلب الأحيان، حول الولادات المتعسرة التي صادفتها في حياتها، والتي يحلولها أن ترويها، من جديد، كلما أتيح لها ذلك. تملؤها الثقة والاعتداد بما صنعت يداها على مر السنين، شأن ضابط خاض معارك عديدة انتصر فيها جميعاً. لا أدري لماذا كانت ولادتي أيضاً واحدة من تلك الولادات المتعسرة، التي هي في الواقع - وكما كانت تحاول الحاجة أن تؤكد - من علامات التفوق، وسمات العبقرية في المستقبل غير المنظور. وما دامت حالات غير عادية فهي متميزة، مما حدا بها إلى أن تمنَّ عليَّ دوماً بأنها هي التي جاءت بي إلى هذا العالم. وكأنما المجيء إليه - في ذاته - إنجاز عظيم بفوق كافة المكتسبات والإنجازات. كما لا يفوتها أن تؤكد - من ناحية ثانية - بأن هذا العالم قمين بأن يسعد بوجودي فيه قطعاً، وإلا فلماذا لم أهلك في ذلك اليوم التاريخي الحافل؟ وما معنى أن تخوض - هي - معركة شرسة مع الموت تنتصر فيها أخيراً، لولا أن لله في ذلك حكمة بالغة وخافية نجهلها نحن البشر ..!؟ أبتهج عندئذ لحديثها.. ويعتريني الزهو و الغرور ..!

…من هنا حق لها أن تأمرني فأطيع، وأن أقدم لها طاعتي العمياء وخدماتي المبصرة، بنفس راضية. كأن أحضر لها إبريق الماء للوضوء ..أستعير لها خميرة من إحدى الجارات.. أذهب إلى دكان (أبو العبد الرملاوي) لشراء (حصلبان) أو يانسون. هذا دون أن أنال على شيء من ذلك جزاء أو شكوراً ..! لم لا؟ ألست مديناً لها بوجودي على ظهر هذا الكوكب ؟

…أما الخالة (خضرة) فلم تكن تستمرئ حديثاً كالحديث عن الجان والمردة والعفاريت التي تظهر للناس ليلاً. لا سيما للغلمان واليافعين، ومن هم في مثل سني ..!

روايات · الصفحة ٤١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٤١٠