تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…اجتمع عدد من كبار رجال القرية ضحى اليوم التالي في مضافة المختار الحاج عوض الله. نددوا واستنكروا طويلاً، ثم قرروا في نهاية الأمر، أن يجمعوا من المال ما يكفي لإعادة بناء ما تهدم،لكي لا يتحمل الخسارة أصحابه وحدهم إذ ليسوا هم المستهدفين بحد ذاتهم، وإنما هي عقوبة جماعية يلجأ إليها الانكليز كلما فشلوا في الكشف عن الثوار. كما أنها إحدى وسائلهم لإرهاب الأهالي الذين هم جميعاً هدف تلك العقوبة. ولسوف يسهم في جمع المال أهل القرية، كل في حدود قدرته، وربما أهالي القرى المجاورة. …

…عند عصر ذلك اليوم شهدت القرية جنازة شهداء الأمس. لم يتخلف أحد من الرجال والنساء والغلمان، بكيت شأني شأن الآخرين. الأحد عشر نعشاً محمولة على الأكتاف الموكب يسير الهوينا في صمت حتى المقبرة. دفن الشهداء، الذين لم تغسل أجسادهم ولم يكفنوا. ووريت أجسادهم التراب والناس بين منتحب وغاضب ومندد. تذكرت جنازة أبي، وحزن أمي .أحسست كأننا نواريه التراب اليوم.

عاد الناس بعد الدفن متفرقين، فغصت بهم الأزقة والطرقات أمام الحوانيت والمقاهي المغرقة في صمت مهيب. أما الأبنية التي نسفت بالأمس فكان شبان كثر يقومون بإزالة أنقاضها، أو جمعها في كومة كبيرة. وحين خلت مساحة من الأرض من الأنقاض بعد ساعات، شرعوا في إقامة سرادق كبير علقت في جوانبه و أنحاء منه المصابيح التي أضيئت فور تعليقها، مع أن الشمس لم تكن قد غربت بعد. وضعت الكراسي والمقاعد التي تطوع بتقديمها عدد من الناس. عقب الغروب أخذ شيخ معمم ضرير، جيء به من يافا، في تلاوة القرآن الكريم. وعلى الرغم من برودة الجو واشتداد الريح، وقتامة السحب التي تنذر بمطر قد ينهمر في أية لحظة. واصل الناس سهرهم حتى ساعة متأخرة من الليل. حيناً في الاستماع إلى التلاوة، وحيناً إلى متحدث من بينهم (كالشيخ محمد طافش) أو زميله الشيخ (محمد ابو العينين) عن مآثر الشهداء، أو في رواية قصة من تاريخ الأمة في الشهادة والجهاد .

…وعلى مدى أيام ثلاثة تابع الأهالي سهرهم وتقديم التعازي أو تقبلها، فلم يكن هناك فارق بين أهل الشهداء وغيرهم فالخسارة ألمت بالجميع، والذين فقدوا هم أبناء القرية ،وليسوا أبناء أسرهم وحدها. كما أن أحداً لم يتوان عن تقديم الطعام في قدور كبيرة على مدى الأيام الثلاثة، في السرادق، كما في منازل ذوي الشهداء .

- 10 -

روايات · الصفحة ٤٠٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٤٠٤