تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…وحين اقتربنا من الرفاق، ألفيتهم متحلقين حول شيء وضعوه على الأرض والدخان يتصاعد من حوله. لقد قاموا فعلاً بصنع القاطرة البخارية، التي قررنا ذات مرة، أن نقوم بصنعها - على غرار ما قرأه أولئك الرفاق الذين يسبقوننا بصفين أو ثلاثة عن كيفية اكتشاف البخار - قائلين : ولماذا يكون هذا ال (جيمس واط) أذكى أو أبرع منا.. !؟) خامرني شعور بالأسف، إذ لم اشارك، منذ البداية، في هذا العمل الجليل ..! ساد الصمت حين رأينا العلبة المعدنية التي ملأوها ماء، وأحكموا إغلاقها، وثبتوا بها عدداً من العجلات الصغيرة، تأخذ في الاهتزاز، ثم تتحرك قليلاً، إلى الخلف وقليلاً إلى الأمام، وصوت الماء يغلي بداخلها، بفعل النار المتأججة من حولها. ارتسمت الفرحة على وجوه الأطفال والغلمان وتبادلت أعينهم النظرات القلقة المتسائلة، ولكن في سعادة طاغية. وفي اللحظة التي انطلقنا نهتف احتفالاً بالنجاح الذي تحقق، فها نحن قد تمكنا من صنع قاطرة حقيقية - تماماً كذلك الانكليزي اللعين - في تلك اللحظة تماماً دوى انفجار، وتطاير في الجو رذاذ الماء، ثم تساقط ليغمر وجوهنا، فيما تحول الهتاف إلى صيحات فزع واستنكار، ولعنات تنصب على رأس (جيمس واط) وآله أجمعين ..!

…كنت أشعر بالحرج أمام رفاقي، إذ لم أكن قادراً على مجاراتهم. أولاد الهمص، اسماعيل العطار، أولاد الجمل، أهلهم أغنياء، يلبون لهم حاجاتهم. يرتدون ملابس جديدة في المناسبات، ولديهم أحذية جديدة أيضاً، وثياب مختلفة في ألوانها وأنواعها. كما أنهم لا يفتأون يشترون الشوكلاته والملبس من الدكاكين، أو يحضرونها معهم. كانوا يعرضون عليَّ شيئاً منها فأمتنع، حين أتذكر وصايا أمي. كانت تدعوني إلى الظهور أمامهم مكتفياً لا أفتقر إلى شيء، رغم أن ملابسي لا تكاد تتغير من بداية العام الدراسي حتى نهايته. وحين يبلى حذائي أصلحه عند الكندرجي (أبو مصطفى) بقرش .(يركِّب) للحذاء نصف نعل،. ثم يلمِّعه قبل أن يناولنيه مؤكداً لي أنه قد عاد جديداً ..!

…- 8 - …

روايات · الصفحة ٣٩٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٣٩٦