تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…كان العم أحمد الحلاق يمنحني (شلناً) كاملاً كل أسبوع. وهو أمر آخر أعلن إزاءه أن أحداً غيري لم يحظ به من قبل. وفي يوم الثلاثاء تحديداً - وهو يوم السوق الأسبوعي لقريتنا وما جاورها - يدفع لي أجري، فأبادر للتو، وقبل عمل أي شيء آخر إلى شراء (شوكولاته بحليب) بتعريفة من دكان عثمان أبو حسين المجاورة. انصرفت في ذلك المساء قبل الغروب بقليل، نزولاً عند إرادة والدتي التي أوصت العم أحمد بألا يعمل على تأخيري إلى ما بعد حلول الظلام. عرجت في طريقي على ساحة سيدنا وهب المفضلة للعب في حيِّنا، والتي يقع في زاويتها الجنوبية ضريح ولي الله، محوطاً بسور من الحجارة المزينة بزخارف عربية قديمة. وتكتنف الساحة بيوت عتيقة ذات أقواس مشرعة. وأمام الأبواب مصاطب مرتفعة يتخذ منها أصحابها مجالس لهم منذ العصر إلى ما قبيل آذان العشاء. حيث يتبادلون الحديث عن شؤونهم من زواج، ومواليد، ومواسم زرع، غزارة الامطار أو شحها في ذلك العام، الحصاد وخصب المواسم، البرتقال وأوان قطفه، الثورة، والمهاجرين اليهود، ووعود الانكليز بحل القضية، الكتاب الأبيض واللجان البريطانية، والراديو ذلك الاختراع العجيب ..! إبان ذلك تدور عليهم فناجين القهوة المرة، و أكواب الشاي بالقرفة والزنجبيل، فيما صخب الصبية يرافق ذلك كله كإيقاع موسيقي لا ينقطع. لم يكن في الساحة غير عدد قليل من الغلمان، من بينهم (نعيم ابو جلالة) الذي ما إن رآني حتى انطلق يعدو نحوي هاتفاً:

…- أين أنت يا أمين ..؟ حمداً لله على السلامة ..

…فرحت بلقائه إذ اعتزمت أن أنقل إليه أنباء عملي لدى أحمد الحلاق، فقلت متباهياً :

…- ها أنذا عائد للتو من الدكان ..

…- وهل اصبحت حلاقاً ماهراً ؟

…- طبعاً ..

…- وتحلق للرجل ذقنه بالموس دون أن تجرحه ؟

…- حتى دون أن أخدشه ..

…- وهل تستطيع أن تقص لي شعري ..؟

…- ولسانك أيضا ..!

…ضحك، وانقض علي يضربني على صدري، ثم يجذبني من يدي، فنعدو معاً، وهو يقول :

…- تعال، انظر ماذا صنعنا.. لقد أصبحنا من كبار المخترعين ..!

روايات · الصفحة ٣٩٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٣٩٥