وكالعادة قرأت بشفافية نفسها النقية مقدار انشراحي في هذه الجلسة. كواحدة من هذا الرعيل الصالح الذين صاحبتهم في أخريات حياتي الأرضية ـ على حد تعبيرهم ـ كأن الإنسان يعيش معهم مكشوفاً بضميره وأسراره كالعاري.
تحصى عليه خلجاته وسكناته، حتى أفكاره وأنفاسه.
ثم سحابة حزني غمرتني. لا أدري لماذا؟
قالت كأنها تريد أن تواسيني، في عجزي وتقصيري: أنت تكلم في داخلك قلباً غير قلبك الحقيقي. ما زلت في مرحلة (الريبة)... وسكتت
بشّ وجهي قليلاً. استأنفت تعزيتها لي:
ـ ((لا تيأس.. عليك بالصبر. بعد أن قطعت شوطاً محموداً في (السلك) تحملاً وإرادة، إذن الانتظار واجب)).
وقصت علي قصة ذاك العابد، الذي وقف على حافة قبره ينتظر القيامة. كما ركزت على ممارسة الجهاد النفسي ـ الجسدي العنيف، من أجل قتل الرغبات ـ الأرضية ـ ((فالإنسان إذا ما عزف عن كل ما يمت بصلة للأنا وشهوات الجسد..... فيصل إلى درجة السمو الروحي. ويصبح في مرتبة (العارف بالله)
ثم شرحت كيف يعود هذا العارف بالله يغرف من الينبوع الذي اغتسلت به الخلائق، في فجرها الأول ((من سدرة الأزل سدرة البداية والنهاية ليظل مسافراً في لذة نعيم غاية الغايات)).
عاد ضعفي يطغى عليّ. لشد ما تعب ذهني وأخذت الأشياء تختلط في رأسي. أمعنت النظر في وجهي. شعرت كأن تكسرت الكلم على بريق نظرتها ولم أنبس. ثم لاحت لي تقطيبة لمّاحة بين عينيها، كانت بلون الفضّة. ضغطتُ أكثر على جدار عقلي.
ـ ((أرهقتك؟ سأفرج عنك..)).
بالتأكيد حان وقت تهجدها الليلي الذي توزعه ((بين عزف الناي الحنون وموجة البكاء الهتون)).
تركتها وحملتني قدماي إلى مأواي البعيد.
*** *** ***
(7)
شيء ما يشبه (الميتافيزيقا) ـ التي يقال عنها ـ؟
أو بالأحرى. هو (ميتافيزيقا) حقيقة.
لا أريد أن أخوّض فيه. حتى لا أثقل، أو أتيه. المهم وجدتني بعد أن استفقتُ في هذا الصباح، أسير صعداً. شعرت كأن شهاباً أزرق سقط عليّ، وغشيني كالبحر!
ذهلت وتابعت صعودي في سفح الجبل، نحو المعبد، على ضوء ذراري حرائق الكون.
اعتمل كياني بتأجج. أمن نافذة القلب أطل عليه؟ أمن شرفة الروح؟
وكأن فتحت لدي أبواب الأمنيات. بيد أنني فطنت بأمر آخر:
إن كنت قد مازجته. و لكن لم أصبح، للآن، تقياً نقياً من أصحاب الكراما....
ـ ((لا تكمل)).
زجرني، حين أقبل عليّ من باب سور المعبد.