تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الوجه: على الرغم ممَّا لوّحه به الشيب والشمس والضنك (الزهدي)، الذي يعيشه، في هذه العزلة القاسية. كان بضاً منوّراً. نبت في الذهن واللهاذم، شعر خفيف مخلوط. تكاثر، نوعاً ما، تحت الأنف، وشكَّل ما يعرف بالشارب.

اللباس: رداء قماشي خشن. لونه أزرق. انسدل على جسده كقباء تغمره عباءة فضفاضة حيكت من الصوف. تماماً كما رأيته حين دعاني وأنا في تلك الأقاصي.

***

بعد أن عدت وعادت إلي أخباره. وتجشمت الصعود إليه. وجدته قد اختلف كثيراً عمّا كنت قد تركته في أيام الدراسة. طبعاً مرّ في مراحل الطفولة والشباب والكهولة. والآن هذا الشيخ لا أنكر أنه كان آن ذاك كل طفولتي وكان شبابي وكهولتي القادمين وأيضاَ ذكرياتي، ذكرياتي هذه التي أراني أرمِّم بها داخلي وأصلّح كيان نفسي. عهدته تلميذاً. وأراه قبالتي زاهداً ناسكاً وفقيهاً صاعداً.

نظر ثمَّ ذهب بعيداً في تفكيره إلى حيث لا أدري. وأنا بدوري، تركته وذهبت إلى الأسهل في رفقته ـ طفولته ـ.

حقيقة منذ أيام الدراسة الأولى، كانت له طفرات مشفوعة بسهوم وشرود شديدين. أفكار كالإلهام تراوده. كلام فوق المستوى المألوف ينطق به. كأنه كان يعد نفسه، ليكون أكثر من رجل في العالم!.

كنّا دوماً، ونحن في غرفة الصف الذي ننتسب، ننظر إلى شفتيه، وهما تتمتمان شيئاً لا يفهم. ثمَّ علمنا فيما بعد أنها صلوات وأدعية إلى الله، وكلام آخر: الخوف، القلق، المجهول، البقاء، الفناء، المصير، الكون...

طفل تشنقه مفردات لغة كامنة حبيسة في باطنه تريد أن تخرج. ويبرر السؤال: هل هذه الطلسمات آتية إليه من كوكب آخر؟ أم من أطلس موطن الذكريات الأولى؟

ثمَّ نراه تنساب تعاريج الدموع على خديه. وتغطي وجهه بالكامل، دونما سبب. أحياناً كنا نظن أنه يهذي. كلام غير معقول بالنسبة لنا، هذا الذي نسمعه يتردد على لسان زميلنا (سعيد). حتّى معلّم الصف احتاط له المسكين. أخذ يكلف نفسه جهداً إضافياً، في العودة إلى المراجع والمصادر احتساباً لهذا الطالب ذي الأطوار الغريبة، الذي ينفجر زلزال أسئلته كل يوم، وإلا تراه سيبخس أمام الطلاب، شر بخسةٍ ويغتسل وجهه بقطرات العرق!.

بطبيعة الحال، ملازمتي له في رفقته المدرسية، لشد ما تأثرت بها، وأخذت تنعكس على سلوكي. بل كان لها الدور الأساسي، في تكوين جانب هام من شخصيتي. ومنها الدافع الرئيس لوجودي هنا، في هذا المعبد، ألاحقه كالتابع.

روايات · الصفحة ١٦٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٦٠