ـ إذن، وصل إلى مرتبة العابد الحقيقي؟.
هزّ رأسه، ونطق: آه...! ليتني أحظى بلحظة أنس مثله. فلحظة أنس تبرر عمراً كاملاً من الانتظار. لا عشرين سنة فحسب!.
ثمَّ عاد إلى ما كنا بصدده: ((الفجر القدسي انبثق مع الخليقة، مع البشرية الأولى.
فالعبادة كانت عندهم قبل القتال. والمعبد قبل القلعة ـ الحصن. والسلم قبل الحرب...))
أأبقى مصعوقاً؟.
حركت لساني سليقة: ((وفي عصرنا))؟
ابتسم. بل ضحك حتّى بانت نواجذه: وبعد أن شدَّ على يديه كأنه يستعيد شيئاً فقده. قال: (عصرنا هذا، ليس كما كان عصرهم، أو عصورهم...) وسكت.
وسكت مبتهجاً بسعادتي في مشاركته الكلام.
ثمَّ زفر بحرارة. وتابع يؤكد مقولاته: في ((البدء)): كانت الروح عندهم قبل الجسم. والـ((نحن)) قبل الـ((أنا)). والعقل قبل المادة. والله قبل الكون...)).
وأخذ يوضّح لي كيف حدث هذا التسلسل القدري، في دورة الكائنات، من قبل الخالق العظيم، المطلق. ((وهو فوق الكل. وقبل الكل))... وعلّل بسياق هذا القانون الكوني. كيف أن الإنسان نفسه تراه مدفوعاً طواعية، إلى قدره الثابت. لأنَّ ((قدره قد أُحدث منذ الأزل، لهذا يجب أن لا يخاف من الموت. بل يخاف من (ما بعد الموت)...)).
ماذا أسمع؟ ماذا أسمع؟ أريد أن أنطق. جفّ لساني، وكأنه تحوّل (في حلقي) إلى قطعة من خشب...
ويسترسل ثانية: ((وبعد تسلسل عملية الخلق، التي وصلت بصفوتها إلى الإنسان.
((حلّت المقامات السامية))، و((الحجاب المكرم)).
تقديراً لهذا الإنسان، وأنساً له، حتّى لا يستوحش في هذا الخلاء الكوني، بعقله الفعّال الذي منحه إياه ((باريه)) من كرم لدنه المقدس، ويظن أنه وحده في هذا الوجود الرحيب الرهيب. فعقله الفعّال هذا مادة إلهية بحت...)).
من خلال وعيي الهلامي. وجدت الرجل واقفاً أمامي يمد يده اليمنى ويصافحني.
بلى عدت وصحوت ممَّا كان قد أهبظ عقلي به من شروحاته ومقولاته. عفواً طالما حظيت بشرف مقابلته هذه وجب علي أن أحيطكم علماً بأحواله:
رجل نسيج وحده، من بين بني آدم. له أفكار وسلوك يخوّلانه أن يمتلك العالم بالوكالة. ولكن يقابل هذه القوة المعنوية عنده جسم رقيق نحيل. ذو بشرة ناصعة شفافة. تكاد ترى من خلالها العظام.
الرأس: مستدير، زادته هيبة ووقاراً عمامة بيضاء.