أحس أنها بداية جديدة، ومرحلة مختلفة تقتضي عملاً مضنياً، ونشاطاً مستمراً لمسح الآثار المؤذية التي تركها هروب حسن وبعض الذين اشترى ضمائرهم وانفضح أمرهم، مما يتطلب إعادة ترتيب الأوضاع واختيار الأمناء والمخلصين لمتابعة المسيرة.. وما حدث محطة لا بد من التوقف عندها للمراجعة والانطلاق من جديد ..
كل شيء صامت في مكتبه حتى ستارة النافذة لا تجد هبة خفيفة تحركها، وشمس نيسان تبعث دفئها اللطيف على الأرض المغتسلة بالمطر الربيعي الخفيف، وتبدو الأشجار في الحديقة أكثر اخضراراً واللوزة الوحيدة بزهرها الناصع البياض تتوسطها وكأنها عروس فتية تتباهى بفرادتها.. وبجمالها الأخاذ..
الطبيعة الصامتة أحياناً تبعث في نفسه النشوة وشعوراً رقيقاً بالأمل والتفاؤل، لم يتأخر أبو أحمد في تقديم فنجان القهوة الصباحي المعتاد مكرراً دعاه له بالتوفيق ومنحه الصحة والعافية.. وكان سرور أبو أحمد بادياً على وجهه، وهو يعلمه بقدوم زائرين له طلب منه دعوتهما للدخول.. ونهض من وراء مكتبه يستقبلهما أمام الباب.. وديع وسامي وأنور زملاؤه السابقين الذين تعرف عليهم في مؤتمرات الاتحاد وعادوا منذ سنوات قليلة إلى بلدهم بعد تخرجهم من جامعات يوغسلافيا والتحقوا بوظائف حكومية حسب اختصاص كل منهم، جاؤوا إلى دمشق بزيارة استجمام خاصة وإن كان من أولوياتها زيارته والاطمئنان عليه ..
رحب بهم وعانقهم بحرارة ودعاهم للجلوس وهو
يواصل أسئلته لكل واحد منهم، عن أحواله الخاصة والعامة، واستعاد ذكريات الأيام الماضية التي شهدت لقاءاتهم في المؤتمرات السابقة وخلافاته السياسية معهم التي كانت تتمحور حول جنوحهم إلى أقصى اليسار في أفكارهم وتأثرهم بالعناوين المبهرة التي كان يطرحها زميلهم صالح وبعض الملتفين حوله، وفاجأه سامي وهو يسترسل في الضحك ..
_ صالح.. يبدو أنك لا تعرف أخباره اليوم ؟
_ منذ أكثر من ثلاث سنوات لا أعرف عن أخباره شيئاً.
_ ألا تعرف أنه عاد إلى عمان ؟
_ لا، والحقيقة أنني لم أسأل عن أخباره .
_ الأفضل أن تبقى جاهلاً أخباره ..
قال باستغراب :
_ ماذا يعمل الآن؟ بالعكس أشتاق أن أعرف عنه كل شيء، لا شك أنكم تلتقون معه ..
_ ضحك ثلاثتهم وقال سامي :
_ نلتقي معه..! ربما عن طريق الصدفة، صالح اليوم غير صالح الأمس .
_ ما الذي تغير ..؟
_ أتعرف يا عزيزي.. صالح تحول من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين.. لقد أدهشنا نحن الذين ابتعدنا عن النشاط السياسي ..