تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

و كان شتات كئيباً ومسحة ذل تغطي تعابير وجهه، أغلق الباب خلفه، وبقي عاصم وحيداً وكأن ريحاً عاتية عصفت به.. كيف ظل طيلة هذه السنوات مخدوعاً به.. لم يصغ لتحذير رفيقه وهاب منه يوم قال له :

أنه لا يؤتمن على قرش واحد، و رفض التعاون معه، رغم الإلحاح عليه والإغراءات التي قدمت له، و فضل أن يستمر في موقعه دون أن يحسب عليه وجوده إلى جانبه، وكيف اختلف معه في تقييمه، ودافع عنه بقناعة .. أية سحابة كانت تحجب النور عن عينيه ؟ يجب وقفه عند حده، ووضع الحقيقة أمام قيادته لتأخذ قرارها بمحاسبته، ولن يكون قرارها أقل من طرده من صفوف الحزب، أو كف يده واعفاءه من أية مسؤولية، وفصله ..

ما الذي غير هذا الإنسان من حالة إلى حاله؟ والده كان يعمل حجاراً في المقالع الصخرية عانى من البؤس والحرمان كثيراً.. لم ترحمه صخرة كبيرة دفعها انفجار عنيف لتسحقه تحتها، طالما كان يعتز بمنبته الطبقي الذي يفترض أن يحصنه بالضرورة أمام انزلاقات الانحراف والسلوك المشين.. لماذا لم يكن يصدق ما يقوله الآخرين عنه ويعتبرها مجرد إشاعات وأقاويل ..؟

لقد اتضحت له الحقيقة المرة، وهي بمرارة العلقم.. لايمكن لشخص كهذا أن يؤتمن على شيء ..

جمع أوراقه ووضعها في حافظته سينهي تقريره للهيئة التنفيذية فيما بعد.. عليه أن يحسم الأمر معه، لا يمكن السكوت عن جريمة ترتكب بحق الحزب وأي ضعف أو خوف من نفوذه جبن وتواطؤ، قد يخسر الكثير بداية، لكن الحقيقة ستظهر في النهاية.. ليس الأمر مجرد أموال عامة ولكن ما يترتب على ذلك الكثير، من يسقط في المنحدر ينتهي إلى الحضيض.. إن استمرار وجوده في موقعه خطر كبير، عليه أن يتصدى له بكل ما أوتي له من أمانة وإخلاص.. أيبحث الأمر معه أولاً؟ سينكر وسيشطاط غضبا وقد يلفق له تهمة التشهير والتحقير أو يقدم له مغريات كبيرة ويحاول كسب صمته والتغاضي عنه، مختلقاً أعذاراً كثيرة، مؤكداً على علاقتهما الشخصية الطيبة، التي يظن أنها تمنعه من كشف حقيقته، لقد تصدى لكثيرين شككوا بنزاهته، ولكنه اليوم أمام حقائق واضحة أذهلته وقلبته رأساً على عقب.. كيف يمكن الاستمرار بالعمل مع لص محترف يلبس لبوس الشرفاء، وينسج حول نفسه غلالة سميكة من الكذب والادعاء؟ لا..لا.. يجب أن يضع بين يدي قيادته هذه الحقائق لمحاسبته، ليكون عبرة لغيره ممن هم على شاكلته.

روايات · الصفحة ١٥٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٥٥٩