مشيت إلى محطة القطار قرب القرية و (كيشور) يلاحقني ليطمئن على سهولة رحيلي وصعدت في قطار (باسانجور) اردأ أنواع القطارات في الهند وبقيت محاصراً بين أشباه البشر المسحوقين من المرضى والمشوهين والجوعى، نحو الساعة حتى وصلت دلهي.. من دلهي انتظرت قليلاً قبل أن أستقل القطار إلى (اليغار) حيث التقيت ببعض الشبان العرب من اليمن والسودان.. كنت أراقب خلال الفترة التي استغرقها القطار إلى (اليغار) وهي نحو الساعتين. امرأة منبوذة مع صبيين عاريين وسخين، أحدهما يجلس في حضن أمه يسحب ثديها المتهدل يمتصه وعمره يزيد عن أربع سنوات والآخر يلعب قرب باب الممر بشكل صاخب، وكل من يروح ويأتي قربهم يتحاشى ملامستهم، كانت امرأة محطمة، تماماً راضية، مقطوعة، خائفة، بوجه شوهته عوادي الزمن والصبيان يلعبان يخرجان ثديها دون أن يباليا بشيء.. ولم يغب ذلك المنظر عن عيني حتى توقف القطار في إحدى المحطات فنزلت منه مع الصبيين..
× × ×
وصلت اليغار وصادفت رسالتين من (نيلام) كانت الرسالة ذات التاريخ المبكر مليئة بعبارات الود والمحبة والشكر على مجاملتي الرقيقة كما سمتها، أما الثانية وكان تاريخها بعد أسبوع من الأولى فكانت تستفسر عن الرسالة الأولى هل استلمتها أم لا؟ ولماذا لم أرد عليها؟ لم أنتظر كثيراً فبادرت لكتابة رسالة أعتذر فيها عن تأخري في استلام الرسالتين لأنني كنت خارج اليغار.. ولم تخل الرسالة من عبارات المجاملة الرقيقة والدعوة للوقوف من جديد في وجه تيار الزمن، والتحدي، ومن أنها ستجد في صديقاً ودوداً يعينها في أية لحظة تحتاجني.
كنت أفكر في السبب الذي دعا الصبية إلى الإصرار على مد جسور المودة معي وأنا الغريب عن قومها وعن وطنها. هل تجد في أملاً إنسانياً افتقدته في أبناء قومها؟ أم أن هناك سبباً آخر؟
وبعد يومين استلمت رسالة من راكيش يدعوني فيها لزيارتهم ويلح علي الدعوة، مكثراً من عبارات المودة.. وكنت أفكر بزيارتهم ربما لأشبع رغبتي برؤية (نيلام) بعد أن عرفت قصتها.. وكيف ستتصرف معي من جديد..؟
((
* 9 *
انتباتني المشاعر وأنا أستقل الباص العتيق المتعب متجهاً نحو (أغرا) في طرقات وعرة صعبة، وبين بيوتات القرويين والفقراء والمقاهي المغطاة بالقش وقطعان الجواميس السابحة في البرك القذرة.