ما الذي يحدث لي وأنا أتبادل معهما الحديث بهذا الانفتاح المدهش قلما كنت صريحاً مع غريب كأنني لا أعتبرهما غريبين..
((آه.. أحلم بهما في نومي، فأراهما بشحمهما ولحمهما يتجسدان أمامي يا إلهي ما أعذب عيني نيلام، إنها تنظر إلي كأنها تحاول قراءة أفكاري أحس أنني ضعيف أمام سحر عينيها)).
كانت صداقاتي النسائية عابرة وسريعة، ونادراً ما تأثرت بعلاقتي مع فتاة.. ليس حباً أولاً هذا، فقد مضى حبي الأول بذكرياته وأحلامه دون أن يترك أثراً، بعدما تزوجت الفتاة التي أحببتها حباً عذرياً، ملك علي فؤادي في ذلك الحين، إنه حب، نادراً ما يفلت منه من هم في ميعة الصبا..
((
* 3 *
كنا نجلس على أحد المقاعد الحجرية في المحطة ننتظر القطار والنسمات الباردة تخزنا وتلسعنا فنتقوقع على أنفسنا ولم نعد نستطيع تحمل البرد في الشتاء الهندي الجاف، فأخرجت بطانية من بين أغراضها وأعطتنا إياها لنغطي بها جسمينا..
بدأ أخوها يأخذ رأيها على مسمع مني في مصدر (الراميانا) وهل هي حقاً من إنشاد (فيلمنكي) الذي صاغ أبياتها البالغة ثلاثة وأربعين ألفاً؟ كانت خجلة في بدء مشاركتها لنا ولكنها انطلقت في حديثها وقد أغرتها بطولة (راما) في معاركه ضد الشياطين والجن، وفي قدرته على كسر قوس (شيفا) وفوزه بسيتا الجميلة قرينة له، ثم كيف تمكن من قتل (راوان) وإرجاعها إليه بعد أن خطفها ذلك الملك القادر الذي كان يلقب بذي الرؤوس العشرة، لكون رأسه تعادل عشرة رؤوس من رؤوس أعظم الحكماء في ذلك العصر..
وبدأت (نيلام) –وكان اسمها كما في الحلم وكذلك اسم أخيها- تنشدنا بعض أبيات الراميانا- المترجمة للإنكليزية، وهي مأخوذة حالمة.. عرفت منها أنها أنهت دراستها قبل عامين ونصف وفوجئت حين علمت أنها تحمل ماجستير في اللغة الإنكليزية وحين قلت لها: -وكيف تحفظين هذا الشعر الصعب، كنت أظنك تدرسين (الميثولوجيا الهندية) أرى في يدك كتاباً يبحث في هذا الموضوع..
قالت: -نحفظ أبياتاً من الراميانا من المناسبات الدينية الكثيرة التي تجري عندنا، حيث يتناقلها المنشدون في المعابد والاحتفالات الدينية، عدا عن أن الأبيات التي أنشدتها، أحفظها من أيام المدرسة..
بدأت الاستعلامات في المحطة تبث في الميكرفون جملاً هندية سريعة لم أتمكن من فهمها، وحين سألت عن معناها أجابتني نيلام:
-القطار قادم الآن، وسيتوقف على الرصيف المقابل، أي أن علينا نقل حوائجنا من جديد عبر جسر المشاة هذا..