تحركت السيارة من جديد، كان الظلام يخيم على الطريق وليس سوى حيوانات صغيرة نراها على الجانبين وحشرات تقفز أو تطير أمام مصابيح السيارة.. وصلنا بوبال في الحادية عشرة والنصف، ودعت مصطفى سريعاً بعد أن تبادلنا العناوين، وطلب مني الإجابة على رسائله.. ثم اتجهت صوب محطة بوبال للسكك الحديدية.. حجزت تذكرة لأغرا، وقد نبهني قاطع التذاكر أن قطار أغرا سيتأخر عن موعده حتى الواحدة والنصف..
كان هذا طبيعياً. جلست على الرصيف أقرأ في (رواية هارولد روبنس) اليهودي الأمريكي، وكانت بعنوان (القرصان) تدور حول العرب ونزواتهم وملايينهم التي ينفقونها بلا حساب. في أمريكا وأوروبا.. وتحكي بفصولها الأربعة عن ربيع وصيف وخريف وشتاء عام 1973. وبعد مدة سمعت صوت مذيع المحطة، يعلن عن تأخر القطار المتجه لأغرا ساعة أخرى.. وأنه سيأتي إلى الرصيف رقم (2) حملت حقيبتي الصغيرة واتجهت أصعد الجسر الفاصل بين الأرصفة لأهبط على الرصيف رقم (2)، كان الناس ينتشرون على الرصيف ينامون، يتسامرون، يشربون الشاي، جلست قرب أحد باعة الشاي، وطلبت منه شاياً بالحليب.. وبعد قليل وأنا منغمس في قراءتي وصلني صوت وقع حذاء نسائي فالتفت لأفاجأ وقد اشتدت خفقات قلبي بوجه فتاة ترتدي سارياً أخضر وإلى جانبها رجل بنظارات سميكة يحمل حقيبة بيده..
وكما في الحلم تماماً وكنت مصعوقاً، طلب الرجل كأسين من الشاي بالحليب وكانت مقاعد المحطة تغص بالمسافرين، فأفسحت لهما مكاناً قربي وقلت دون أن أعي: -أختك؟
أجاب مدهوشاً: -نعم، كيف عرفت؟
تلعثمت ثم أسعفني لساني: -تشبهك..
كانت الفتاة ترمقني على استحياء. ورأت الرواية التي أحملها فطلبتها مني، قلبت صفحاتها قليلاً، ثم أعادتها لي وهي تقول: -إنه رجل يبيع جيداً.
كانت تتكلم الإنكليزية بطلاقة. سألت: -من تقصدين؟
-هارولد روبنس مؤلف هذه الرواية، ثم هو يحقد على العرب ألا تعرف ذلك؟
-بالطبع أعرف، هو ليس يهودياً فقط، وإنما صهيوني النزعة هذه الرواية مليئة بالكذب.
-ولكنهم يصدقون أحداثها في الغرب.
-صحيح.. إنه تقصيرنا نحن العرب.
-ومن أي بلد أنت؟
حكيت لهما عن بلادي ثم بدأت أحكي عن جولاتي ورحلاتي.. وأحسست أنني أسرد لهما كل شيء تقريباً عن حياتي في الهند، كأنما تدفعني لذلك قوة خفية..
سحبت علبة سجائري وعرضتها على (راكيش) فاعتذر بلطف وأشعلت سيجارة وأخذت أمج دخانها بشغف وأنا مذهول مما يجري، كأنني في حلم..