لم يتلق أي رد فتأكد أنهم مصممون على المضي في الإضراب حتى نهايته، تمتم ببضع كلمات فهم منها أن عليهم أن يتحملوا النتيجة، عند خروجه أشار بيده إلى رافي للعودة إلى التعذيب ...بدأ فريق من السجانين والممرضين عملهم. تعاونوا في نقل المضربين فوق نقالة ورميهم إلى رافي الذي يجبرهم على فتح أفواههم ووضع كمية من الطعام والشراب... معظمهم في غيبوبة، العرق البارد يتصبب من جبينهم، نبضهم يخف أو يكاد يتلاشى. الوحيد الذي حافظ على اتزانه عمر ، سمع كلماتهم وتعليقاتهم واستهتارهم وفرحتهم حين يسمعون الأنين والتوجع. رآهم يركلون راسم حلاوة وغيره، وعندما علموا بموت الجعفري، نقلوا عن مدير السجن قوله:
- " أنها البداية ليمت هؤلاء الكلاب ولنرمهم إلى الوحوش المفترسة"
رأى رافي والسجانون يلطمون خد أحد السجناء كما لو كانوا يصارعونه. يضحكون لكن عندما تبدو عليه شبه إفاقة تدل على أنه لم يمت بعد، يصابون بخيبة أمل ويبدو الشحوب على وجوههم، حتى هو لم من اللطم فظهرت الكدمات والجروح في جسده وحين رموه إلى الطبيب علق رافي:
- مازال هذا الغول ومحتفظاً بتوازنه ؟! يحتاج إلى ألف ضربة على رأسه وجسده ليصير مثل زملائه .
بجمع يده بادره بلكمات على رأسه وبطنه، غاب على أثرها وعيه، أما بقية المضربين فكانوا في حالة غيبوبة شبه دائمة، أجسادهم تيبست أصيب الجلد بالجفاف، بدا مجعداً وخشناً ومترهلاً قليلاً، جلد وعظم على حد تعبير حسان. الأجساد خرائط فيها ارخبيلات ورؤوس وهضاب ووديان شبيهة بأرض وعرة، إضافة إلى تلوينات التعذيب التي صارت شامات ثابتة. غارت العروق وأصيب الجلد بقساوة وكأنه مفصول عن العظم .
المضربون خرق مرمية لا شيء سوى تنفسهم الوحيد الذي يدل على استمرار حياتهم. الضعف باد على الجميع، سحنتهم تميل إلى السواد والإصفرار، الفم جمرة موقدة حافظ على توهجها وصلابتها على الرغم ومن المياه التي تصلها. تتبخر قبل أن تلامسها، يظل جافاً يطلب المزيد من ماء الصنبور المندفع إلى الجوف. الثياب المبتلة بالعرق والبول تفوح منها رائحة واخزة، تبعد الجنود عنهم. نار المعدة الموقدة تجعل القلب يقفز وينبض مرة على شكل ضربات متوالية ذات ضغط عال، ومرات يكاد يتوقف عن العمل.
صباح يوم الثاني والعشرين نظر إليهم الطبيب. أدار وجهه قليلاً وأخبرهم أن أجسادهم لا تقاوم، وعليهم أن يفكروا. الإدارة قررت تجاهل مطالبهم. قال بصوت واهن كلمته المشهورة.