لم أتعود الكتابة إليك، ما عدا مرة واحدة كانت من السجن للسجن، طبعاً تسرني الكتابة إليك وأنت خارج الأسر، كان بودي أن نتراسل من مكان آخر وفي أحسن الأطوال أن نلتقي معاً ونستفيد من الذكريات، علماً أن وجوهكم ستذكرني بكل مآسي الأسر وعذاباته، على صعيد صحتي الجسدية فهي جيدة نسبياً، ولكن الوضع الصحي لم يعد هو المعيار الأساس للصمود الذاتي، فالوضع النفسي أصبح هو المعيار الأول، وعلى هذا الصعيد فالراحة النفسية شبه معدومة، أحياناً تكون مئة بالمئة عندما أتلقى رسائل، وعندما تصلني أخبار عن التبادل أو عن محادثات لتوحيد المنظمة أو تصاعد الأعمال .... ويبدو أن معادلة صمودي تزداد تعقيداً يوماً عن يوم، وتتزايد العناصر المكونة خاصة بعد عزلي عن إخواني ورفاقي وإرغامي على العيش بين المدنيين الجنائيين، كنت أود العيش بين أناس هم جزء من كياني ومقومات شخصيتي دونهم تغدو الحياة عبثاً، إنهم بالنسبة لي الصف الأول من القرابة الشاملة، التي تتعدى روابط الدم والعرق. إن حنينكم إلى الأيام القاسية قد يكون مستوعباً لأنها تذكركم بأعز وأحب الأصدقاء، لكنه سيتبدد عندما تدركون عمق المعاناة التي يمر بها إخواننا ورفاقنا جيل ما بعد التبادل في معسكرات الاعتقال، إن هذه المعاناة لا تبعث على المتعة لأن ضحاياها شباب، تنقصهم التجربة ويواجهون عدواً تسلح بتجربة مريرة وواسعة في القمع والتنكيل، وإذا قدرت لنا الظروف وتحررنا سيكون لنا حديث عن ذلك.
الرفيق الحبيب :
مختصر الحديث أن شعبنا يعاني على مستوى طبقاته وفئاته وفي كافة أماكن تواجده، غير أننا لن نسمح للحقد الصهيوني أن يخلق بيننا هتلر جديداً، ولن نسمح له أن يحرفنا عن القوانين العلمية للحركة، إننا سنحارب الصهيونية بالوسائل التي تخدم أهدافنا الطبقية الإنسانية، وسوف نتألم في الوقت نفسه للمآسي التي تسببها حربهم العدوانية ليس فقط لشعبنا وللشعوب العربية وإنما لليهود أنفسهم .
الصديق حسان :
مهما وصفت الحياة خارج الأسر بأنها روتينية ومملة، فلن تقنعني بأن الحياة خارج الأسر ليست رائعة، يكفي متعة مشاهدة الأحداث أمامنا والمساهمة بصناعتها، يكفي أن الواقع الخارجي يخضع لقوانين الحركة والتطور ويحمل في طياته كل يوم جديداً ... على كل مهما كان شعوركم فلن ألومكم، فلقد تعبتم ويحق لكم الاستمتاع ليس فقط بالراحة الجسدية وإنما النفسية أيضاً .
الرفيق العزيز :