كلماتها الرائعة تنطلق تصل إلى الشمس، فترتد خجولة لأنها غير قادرة على الوصول إليه، رؤيتها له حدث رائع، قصيدة، أغنية سبق وأن غنتها لأبي عدنان عندما كان سائقاً ما بين القدس ويافا في الثلاثينات. فاطمة الشلبي سافرت معه غير مرة. أحد العارفين قال بأنه عرفها في نابلس كانت عند أجدارها في قرية مسحة. نظر في المرآة، ابتسمت فدخلت قلبه، عاد إلى بيته ميتماً، لم يغيب وجهها عنه، كان لحضورها نشوة، لم يتخلص من قلقه إلا بعد خطوبتها وزواجها.
بعد اعتقال ابنها فارقتها الابتسامة، إنها ضجرة، مهدودة، مفكرة، رأسها يؤلمها، أوجاع العالم استوطنت جسدها، شعرت أن عليها اقتلاع الاحتلال واجتثاث السجون، فلذة كبدها بين جدرانها الصفراء موثوق اليدين ومقيد القدمين. تحولت الأشياء ومعانيها. الحمامة التي تسبح وترفرف باجنحتها في سماء الأردن والشام صارت أسيرة .
ظلت على الرغم من كل آلامها سيدة بيت لا تخالف زوجها، تتدخل بأدب، تنصت وعندما تود الإدلاء برأيها تطلب أن يسمح لها بذلك. أما بالنسبة لأبنائها فإنها تعتبر تربيتهم شيئاً خاصاً بها لوجودهم معها طوال النهار.. المطبخ شغلها الدائم، مجال تحركها، تطلق في البيت أنفاسها لتحملها النسمات وتتركها في كل موضع. تبدأ عملها وتنهيه بعزيمة ومثابرة. لكن سجن ابنها كسر ظهرها، جعل روحها تذوي، فالروح إذا يبست مانفع الجسد، شاخت أحلامها حتى باتت ترى أن تحقيق الحلم يحتاج إلى آلاف الاحلام المتجددة لعل واحداً منها يتحول إلى حقيقة. فوضى فكرها جعلتها مشتتة وغير عارفة لما تريد وشاكية. رفضت أن تسجن أفكارها، صرحت بها، بماذا ستنطلق، الحرية، الانطلاق، الانفتاح، طمحت إلى الوصول إلى السماء السابعة، بكت، سألته:
- هل تحب الكتاب إلى هذه الدرجة ... ألا تريد أن تفرحني بك ؟
- إن ما يشغل فكري أشياء أخرى، لا أفكر بفرح يخصني دون الآخرين، الآن الحزن للجميع وليس الفرح، أما إن كنت تقصدين ما فهمته فهو ما ابتعد عنه الآن وفي هذه الظروف فليس مهماً زواجي، أنا ماض إلى المقاومة، العمل الذي سأقوم به بداية فجر وحياة .
ارتعشت يداها، طيبة القلب، نظراتها الفاحصة، وصوتها الصافي . إنها ذات عزيمة جبارة، كانت كلما شعرت بضعفها تقول: اللهم ألهمني الصبر .
أخذت مرة تروي جزءاً من سيرة حياتها، تساءلت عندما وصلت في حديثها إلى الفترة التي انتقلوا فيها إلى منطقة الشيخ جراح :" هل تعرفون كم قضينا من الوقت في بنائه؟