في شهر رمضان يلفون خلف المسحر الذي يدور على حارتهم بيتاً بيتاً ينادي " يانايم وحد الدايم ..."
على أصوات الطبل وقرع الأبواب تمضي ساعة السحور، يذهبون إلى مقام الشيخ ريحان المضاء بالشموع. فيرسمون خطوطاً على الأرض ويحجلون من مربع إلى آخر حتى نهاية المربعات الستة.
أمامه أمه فتعمل له " عاجة " وتقول له: هذه عروستك يمّا !
فيجيب: عروستي ليست عاجة !
فتصيح فرحة: تسلم لأمك.
تضمه إلى صدرها وتقبله، أبحرت في هذه الذكريات. يخبرها بأن عنده اجتماعاً، كانت هذه علامة استنفار، فتقول لأخته، ضعي إبريق الشاي وركوة القهوة على النار، قدميهما حين طلبه لهما .
أما هي فتخرج أمام البيت وحوله تستطلع الأمر وتظل قلقة حتى ينتهي الاجتماع. وعندما عرف مدى قلقها وتوترها فضل عدم إطلاعها، لكنها لم تعد بحاجة، فقد عرفت أصدقاءه واحداً واحداً، ومن الذين يجتمعون.
تساءلت، هل يأتيه رجل غير جاد أو غير سياسي ليلاً؟ ولِمَ يغلق الباب ويبدأ الهمس وكلام الأسرار؟ أصدقاؤه معروفون قدومهم يعني بقاءها متوترة متخفزة طوال اجتماعهم. اقترحوا تغيير المكان فخافت عليه، راقبته وتسللت خلفه في الليالي تحرس مكانه الجديد عندما عرفته.
تذكرت الأمسيات وحديثه، سجن ابنها يجبرها أن تظل متوترة دائمة التفكير. ظلت أشهراً تقف عند الباب وتطل من النافذة تترقب قدومه أو خبر يطمئنها، الدموع تنحدر من عينيها فتمسحهما .
قال لرفاقه بوجودها بوسعكم اعتبارها أمكم، عندما لا تجدونني جربوها، ستتأكدون بأنها ليست فقط أما لنا بل لكل من دخل البيت، ولكل من كتب كلمة في تاريخ فلسطين منذ أيام منذ أقدم العصور. وذات مرة سمعها تغني لعروس في حارتهم، ابتسم ووقف ينصت، زقزق قلبه وظل ينتظرها وعندما عادت، أجابت بأن صوتها غير جميل .
لوى رأسه وقال: بل أروع صوت سمعته أذناي !
انتشرت الدوريات في الشوارع وحوصرت مداخل القدس من جهاتها الثلاث، فخرجت ومعها عبلة وضعتا قسماً من المناشير في عبهما والقسم الآخر في المحفظة النسائية التي تحملها. صباحاً جاءه رفاقه وهم يغردون، لقد جن جنون السلطة، كيف وزعت هذه البيانات، فقال لهم كلمة واحدة:
- هذه أمي أمامكم أسألوها .