تحمله وتضعه في حضنها ثانية، تقبله، ينظر إلى وجهها، يدقق النظر إلى مساماته وإلى عينيها السوداوين ووجهها الحنطي بقوله:
- أنت جميلة يا يمّا !
- أنتَ أجمل يا ولدي، عيناك ما شاء الله زرقاوان، ووجهك اللهم صلي على النبي مثل المصحف.
يردد ما قاله فترد عليه :
- لو لم أكن جميلة لما تزوجني والدك، ما الذي أصابك كأنك تراني لأول مرة، أو كأني غائبة عنك سنة، ألا تريد الحكاية !
يستعد ويصغي لسماعها، مازال يذكر تفاصيل حكاية " ابن البايرة "
كان يا ما كان يا مستمعين ... دخل أخوه عدنان يناديها لتعير المنخل لابنة الجيران. وفي هذا الوقت طلب أبو عدنان فنجان قهوة. ضجر عمر من هذه المقاطعات والطلبات، حكاياتها شيقة، سمع منها حكاية جبينة التي ظلمت ولكنها أنصفت في النهاية وعادت إلى أمها تمسح بيدها على عينيها لتهبها النور كما وهبت الحياة والخضرة لأرض وطنها .
اقترب من أمه قبلها وقال :
- هيا حدثيني .
بدأ يتقلب في حضنها ويصدر صوتاً شبيهاً بالبكاء .
نظر أبو عدنان وقال مخاطباً إياها :
- ألم ينم العفريت بعد ... أنت تدللينه يا أم عدنان !
- ولو يازوجي إنه عمر أنسيت كم تحبه ؟
قالت ذلك والتفتت إلى عينيه الزرقاوين صلت على النبي وبدأت الحكاية :
" كان يا ماكان في قديم الزمان، كان لرجل ثلاثة أولاد. اثنان من امرأته الجديدة وواحد من القديمة التي يدعونها " البايرة " أراد أن يمتحن أولاده ...نمت يا حبيبي طيب بكره أكمل لك الحكاية " .
صباحاً أفاق باكراً دس رأسه في حضنها وقال :
- هيا أكملي الخرافة .
- النهار للعمل يا حبيبي والذي "يخرف " فيه تصير نقوده المعدنية تنك .
مازال يذكر تفاصيل الحكاية التي تتكرر كل يوم، قال في نفسه إنهم هناك شرقي النهر أبناء الجديدة الذين يرفضون اجتياز المخاضة ونقل الثورة إلى الضفة الغربية .
نظر إلى الشيخ، اقترب منه وقال:
- وحد الله يا رجل أراك مهموماً، منذ ساعة وأنا أراقبك ما الذي حصل ؟___!
- لقد تأخرت أمي، كانت تزورني كل شهر أخاف أن يكون قد حدث لها مكروه، هل تصدق يا شيخي بأنها حياتي !
- ألا تذكر حديث الرسول الذي أوصى الإنسان بأمه حين سأله أعرابي من أحق الناس بحسن صحابتي يا رسول الله فقال له، أمك، قال الأعرابي ثم من، كررها الرسول ثلاث مرات ثم قال بعد ذلك ... أبوك .