تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كبر حزنه، صار بحجم ورم الخد، كبر إلى ما لانهاية، بنواءات القتال مع الدول المجاورة ومع الحركات الوطنية ثم مع النفس. تفيض عيناه مرارة فيخرج الوجع آهات تلتهم صدره، وجعاً يطرق رأسه بينما الزنزانة تتابع سيرها البطيء. ماذا عساه يفعل أمام مد الهزيمة، هزيمة تفقد عقله كل ليونة أو تفكير، شعر بثقل في رأسه. سها ولم يعرف كم من الوقت غفا! ربما نام لثوان أو لدقائق. حاول أن يفرك عينيه، لم تساعده يداه بينما العصابة مازالت تحجب الرؤية، غيوم الحزن تتسلل من نافذة السيارة، تتكوم ما بين جسده وملابسه، يشعر بثقلها ولونها الرمادي. حاول أن يتجاوز فترة ضعفه، لكنه غير قادر. الكلمات التي سمعها من حيوت جعلته يحتقر ذاته. فبعد كل ما فعل تراهن القيادة الإسرائيلية على يأسه. تساءل ماذا عن الأفراد الذين زجوا بعملية لا يعرفون عنها شيئاً، أسروا دون وعي لتصرفات العدو؟ حتى الكوادر لم يكونوا على علم بما سيواجهونه في حالة الأسر! وأي المعلومات عليهم أن يصرحوا بها وأيها يعتبر سرياً لايجوز التفريط به.

توقفت السيارة وتوقفت النسيمات العذبة عن الهبوب، شعر بالحرارة والضيق، طلبوا إليه النزول، أحد الجنود شده من قميصه وقاده إلى داخل السجن. شعر بفتح الأبواب ثم إغلاقها، سبعة أبواب اجتازها قبل أن يتلقى أمراً بالجلوس على مقعد خشبي طويل. تحسس المقعد وجلس، بقي معصوب العينين ومقيد اليدين. بعد حوالي ربع ساعة جاء من فك قيده ونزع العصابة عن عينيه. قاده عبر ممر طويل في نهايته غرفة المخزن. خلع ملابسه التي فتشت بدقة ووضبعت في كيس كتب عليه اسمه بقلم تلوين أسود، ثم سُلم ملابس السجن بنطال وقميص وفرشة اسفنج وبطانيتان، سجل ذلك في دفتر خاص، أغلق الغرفة وأخذ مفتاحها وطلب إليه أن يتبعه. أعاده إلى الغرفة التي كان فيها .

غرفة مستطيلة طولها يكاد يكون ضعف عرضها، فيها مقعد خشبي، وعسكري دائم النظر إلى وجهه. سلم عمر عليه، لكنه لم يرد. سأله في أي قسم هما من سجن الرملة ؟

حدق إليه وأجاب باقتضاب شديد:

- أنا هنا لا أعرف شيئاً

حاول دفع العسكري للحديث، لكنه لم يفلح. كان كمن يحاول تجاوز رجمٍ أو صيرة مبنية من الحجارة دون ملاط، كرر محاولته لكنه لم يرد بل ركز نظره إلى عيني عمر الذي جاهد لدفعه للحوار بقوله :

- لا أحد هنا ولا مبرر لخوفك!

- أسكت أيها " المخرب"

روايات · الصفحة ١٢٨٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٢٨٩