تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قدم نفسه إلى الموت حين رفرف في سمائه ورافعه مشواره غربي النهر، لكن الموت رفضه، خاف منه وعفا عنه مرات، حين فشل في الهائه ليقوم. بمهمته. هز رأسه وتمتم بضع كلمات قبل أن يضع رأسه بين يديه ويمسح دمعة تسللت دون إرادته. تململ أحد السجناء بسمل ثم تعوذ من الشيطان الرجيم، توضأ وهو يردد " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي ....." ثم صلى صلاة الصبح، ودعا الله أن يهزم بني اسرائيل ويذلهم ويفك أسر السجناء. دعا في سره دعوات لم يسمعها لأحد، شفتاه تتحركان، وبعد طول دعاء مسح بيديه على وجهه. ابتسم عمر ودارى ضحكة، تذكر سليم الدوري و" مقالبه " يعلق على شيخ البركس سبعة بقوله " بركاتك ياشيخنا " يقترب منه، يمسح بيده على كتفه وظهره، ويمسد على ثيابه، يضج البركس بالضحك. في البداية تماسكا وكادا يتضاربان، لكنهما عدلا عن ذلك في آخر لحظة. آنذره الشيخ بنار جهنم وبئس المصير. تدخل الرفاق وانهوا حالة الخصام.

لكن سلمياً لم يتركه، ظل يمازحه ويماحكه حتى أقنعه ذات يوم بأن الإيمان في القلب والدين المعاملة، وهو صلة الوصل بين العبد وربه، فتحول ذلك الشيخ عن التدين، فلم يعد قادراً لا سليم ولا غيره على النيل منه. أما شيخ نفحة فإنه أطال في الصلاة، ظل أكثر من ثلث ساعة وهو يدعو إلى الله كلما مرت إصبعه على حبة من حبات السبحة الطويلة، ينتهي من طوافها فيردد بصوت مسموع " الحمد لله الذي أحياناً بعدما أماتنا وإليه النشور.. اللهم أجعل أول النهار صلاحاً، وأوسطه نجاحاً، وآخره فلاحاً يا أرحم الراحمين "..

انكفأت النجوم باهته، وهرب الظلام مقدمه لطلوع الفجر، تناول الشيخ القرآن وأخذ يتلو سورة الفجر والشمس والليل والضحى والنجم والقمر.. ارتفعت الشمس مقدار رمحين، فتقلص الظل شيئاً فشيئاً، سكبت أشعتها على الرمال، الشيء الذي لم تستطع إيقافه أوردعه الريح الصفراء الباهتة، حلقت الطيور وارتفعت زقزقتها في الفضاء. كانت كلما اقتربت من السجن تغرد أكثر، تهبط جماعات على الأرض، ثم تطير أسراباً إلى البعيد تتموج في طيرانها محاكية التضاريس، أصغى لتغريدها فتناهى إلى سمعه شبابة الراعي، أصغى ثانية، لاشيء يأتي سوى صفير الرياح، شبابته وريد يضخ دمه. تراقص فؤاده مع أول خيوط النهار. في نفحة شعر بحاجة إلى البكاء والغناء معاً. الغناء لا شيء يمنعه من ذلك أما البكاء فقد فاضت دموعه تسقي شرايينه، لتصير أكثر نداوة. دمدم بصوت خافت يردد:

O, My darling

روايات · الصفحة ١١٦٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١١٦٩