ص -318- بقين من المحرم ـ وصِفِّين اسم موضع بين الشّام والعراق ـ فكانت به الوقعة المشهورة. فلمّا اشتدّ البلاء على الفريقين، وطال أياماً، وكثر القتل بينهم: رفع أهل الشّام المصاحف على رؤوس الرّماح، ونادوا: ((ندعوكم إلى كتاب الله))، فَسُرَّ النّاس؛ وأنابوا إلى الحكومة.
فحكّم أهلُ الشّام عمرو بن العاص، وحكم عليّ بن أبي طالب أبا موسى الأشعري ـ رضي الله عنهما ـ. وكتبوا بينهم العهود بالرّضى بما يحكم به الحكمان. فلمّا حلّ الموعد في رمضان توافوا بأذرح، بدومة الْجَنْدَل. فلم يتّف الحكمان على شيء.
وانصرف عليّ ـ رضي الله عنه ـ إلى العراق، ومعاوية ـ رضي الله عنه ـ إلى الشّام.
فلمّا وصل عليّ الكوفة خرجت عليه الخوارج، وكفّروه حيث رضي بالتّحكيم، وقالوا: لا حُكْمَ إلاّ لله. واجتمعوا بِحَرُوراء ـ اسم موضعٍ بالعراق ـ فَسُمُّوا الْحَرُورِيّة، فأرسل عليّ إليهم عبد الله بن عباس فأتاهم. قال: ((فلم أرَ قوماً أشدّ اجتهاداً منهم، ولا أكثر عبادة)). فقال: ما تنقمون؟ قالوا: ثلاث.
إحداهن: أنّه حكّم الرّجال في أمر الله، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ﴾ الآية1.
والثّانية: أنّه قاتل، ولم يَسْبِ ولم يَغْنَم. فإن كانوا مؤمنين، فما حَلَّ لنا قتالهم، وإن كانوا كافرين فقد حلّت لنا أموالهم وسبيهم.
1 الآية 57 من سورة الأنعام، والآية 40، و67 من سورة يوسف.