ص -203- فصل
وكان يستحبّ القتال أوّل النّهار، كما يستحبّ الخروج للسّفر أوّله.
فإذا لم يقاتل أوّل النّهار، أخّر القتال حتى تزول الشّمس، وتهب الرّياح، وينْزل النّصر.
وكان يبايع أصحابه في الحرب على أن لا يفرّوا، وربّما بايعهم على الموت، وبايعهم على الجهاد، كما بايعهم على الإسلام، وبايعهم على الهجرة، وبايعهم على التّوحيد، والتزام طاعة الله ورسوله، وبايع نفراً من أصحابه على أن لا يسألوا النّاس شيئاً، وكان السّوط يسقط من يد أحدهم، فينْزل فيأخذه، ولا يقول لأحدٍ: ناولني إيّاه.
وكان يشاور أصحابه في الجهاد، ولقاء العدوّ، وتخيّر المنازل، وكان يتخلف في ساقتهم في المسير، فيزجي الضّعيف، ويردف المنقطع، وكان أرفق النّاس بهم في السّير. وإذا أراد غزوةً، ورّى بغيرها ويقول: "الحرب خدعة"، وكان يبعث العيون يأتونه بخبر عدوّه، ويطلّع الطّلائع، ويبثّ الحرس، وإذا لقي عدوَّه، وقف ودعا واستنصر الله، وأكثر هو وأصحابه من ذكر الله، وخفضوا أصواتهم.
وكان يرتّب الجيش والمقاتلة، ويجعل في كلّ جنبة كفؤاً لها، وكان يُبارز بين يديه بأمره، وكان يلبَس للحرب عدته، وربّما ظاهر بين درعين، وكان له ألوية، وكان إذا ظهر على قومٍ، نزل بعرصتهم ثلاثاً، ثم قفل.