ص -189- ويقول: "دعوها فإنّها مأمورة"، فسارت حتى وصلت موضع مسجده اليوم فبركت ولم ينْزل عنها حتى نهضت، وسارت قليلاً، ثم التفتت ورجعت في موضعها الأوّل فبركت، فنَزل عنها وذلك في بني النّجار أخواله. وكان من توفيق الله لها، فإنّه أحبّ أن ينْزل عليهم ليكرمهم بذلك، فجعلوا يكلّمونه في النّزول عليهم، وبادر أبو أيّوب إلى رحله فأدخله بيته، فجعل رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ يقول: "المرء مع رحله"، وجاء أسعد بن زرارة، فأخذ ناقته فكانت عنده، وأصبح كما قال قيس بن صرمة الأنصاري ـ وكان ابن عبّاس يَختلف إليه يتحفظها:
ثوى في قريشٍ بضع عشرة حجةٍ يذكر لو يلقى حبيباً مواتيا
ويعرض في أهل المواسم نفسه فلم يرَ مَن يؤوي ولم يرَ داعيا
فلمّا أتانا واستقرّت به النّوى وأصبح مسروراً بطيبة راضيا
وأصبح لا يخشى ظلامة ظالمٍ بعيد ولا يخشى من النّاس باغيا
بذلنا له الأموال من حلّ مالنا وأنفسنا عند الوغى والتآسيا
نعادي الذي عادى من النّاس كلّهم جميعاً وإن كان الحبيب المصافيا
ونعلم أنّ الله لا ربّ غيره وأنّ كتاب الله أصبح هاديا
قال ابن عبّاس: كان النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ بمكّة، فأمر بالهجرة، وأنزل عليه: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً﴾، [الإسراء:80]. قال قتادة: أخرجه