ومن أجل هذا كان غرضي من هذا الاستقراء أن أثبت هذا الضرب الجديد من العربية مبتعداً عن قصة التصحيح ومشيراً إلى أن هذه العربية تؤلف نمطاً جديداً لغوياً لعله ساد وغلب وشاع حتى صار في جملته عربية جديدة معاصرة.
وسأذكر ما وقفت عليه ولا أسعى فيه إلى أن يكون لي فيه ترتيب خاص، بل أقتصر على إثباته كما وقع لي شيئاً بعد شيء، وسأعلق على ما أذكره بالقدر الذي تقتضيه المناسبة فأقول:
قرأت وأنا في صنعاء صحفاً يمنية وأخرى مصرية ولبنانية وعراقية فوجدت في بعضها مَن قال:
((....... فالدولة في تعاملها مع مواطنيها على المستوى الداخلي أولاً، وفي تعاملها مع الغير على المستوى الخارجي، تسير ... )) .
أقول: إن من خصائص هذه اللغة المتأثرة باللغات الأعجمية من إنكليزية أو غيرها، طول الجمل بحيث يأتي ما ندعوه المسند إليه في ابتداء الكلام، ولكنك لا تظفر بالمسند الذي يتم به المعنى إلا بعد كلام طويل، وقد يتجاوز هذا المعترض في طوله حداً يكاد القارئ فيه ينسى أول الجملة.
ثم إن ((التعامل)) مصدر الفعل ((تعامل)) قد استعير من حيز الاقتصاد في دلالته في البيع والشراء إلى هذا الحيز الجديد.
و ((المستوى)) ، وهو كلمة عربية قد وصلوا إليها لتؤدّي ما تؤديه كلمة أجنبية في الانكليزية أو الفرنسية بمعناها، ووصف ((المستوى)) بالداخلي أو الخارجي كله مما يصادفه الذي يقرأ الصحف الأجنبية.
ولا أشير إلى ((الغير)) واقترانها بأداة التعريف فقد تجاوز هذا المنشئون منذ زمان طويل.
ومما قرأت أيضاً قول أحدهم، والقول عام لا خاص فهو مما يتردّد في الصحف، وهو: ((وعلى ضوء هذه النظرة المنطقية....)) .
أقول: لا أتوقف في استعمال حرف الجر ((على)) فأقول كما قال المصححون: إن الصواب هو استعمال ((في)) ، ولكني أقول إن استعمال ((الضوء)) في هذا السياق أو في قولهم: ((إن إلقاء الضوء على هذه المسألة....)) جديد مستعار من اللغات الأعجمية.
وقرأت أيضاً:
((.... وكما أشار الرئيس فلان إلى هذه ((الإشكالية)) فإن أية دولة بمفردها مهما كانت لن تستطيع الوصول إلى تحقيق أهدافها الاقتصادية ... )) .
أقول: إن ((الإشكالية)) مصدر صناعي أقيم على مصدر آخر للفعل ((أشكَلَ)) وهو ((إشكال)) ، وهذا المصدر الصناعي جديد في العربية المعاصرة، وقد شقي المعاصرون في الوصول إليه ليكون مؤدياً ما يؤديه مثله في اللغات الأعجمية، وهو غير كلمة ((مشكلة)) بل إن في ((الإشكالية)) شيئاً من ((المشكلة)) . ويراد بها ضرب من الوضع فيه إشكال وفيه ((وضع خاص)) . وإنك لا تجد هذه ((الإشكالية)) في العربية التي نعرفها قبل خمسين أو ثلاثين سنة، فهي جديدة.
أما استعمالهم ((بمفردها)) فمعناه ((وحدَها)) ، وهو من هذا الجديد الذي حفلت به العربية المعاصرة.
ثم إن ابتداء الكلام ب ((كما)) يأتي بعدها جملة طويلة معلَّقة في فهم المراد منها على كلام آخر مبدوءاً بقولهم: ((فإن أيّة دولة ... )) يُشعر القارئ إن القائل أراد ب ((كما)) ما يراد من أدوات الشرط، وان الأسلوب شرطي، ومجيء الفاء يشعر بهذا. وليس هذا مما نعرفه في العربية، ولكنه جديد حفلت به العربية المعاصرة.
ومثله قولهم: ((وعلى الرغم مما ورد ... فإن المقصود....)) .
وقرأت أيضاً:
((.... اعتقالات عشوائية بمدينة القدس عقب طعن مستوطن إسرائيلي)) .
أقول: إن الوصف ب ((عشوائي وعشوائية)) جديد، ومعناه معروف أي أن ((الاعتقالات)) جرت على غير قصد ونظام، وأن السلطات الإسرائيلية اعتقلت كل من شوهد في الحال لا يهمها أن يكون للمعتقل مشاركة فيما جَرَى.
ومثل هذا قولهم: ((لابد من العمل للحدّ من الاستهلاك العشوائي ... )) .
ويراد ب ((الاستهلاك)) الإنفاق الكثير ولاسيما ما كان من أجل الطعام والشراب وغير ذلك مما يدخل في حاجات الناس كالاستهلاك للطاقة الكهربائية ونحو ذلك.