وأما قوله تعالى: ﴿هذان خصمانِ اختصموا في ربهم﴾ [الحج 19] ففي الصحيح عن أبي ذر - رضي الله عنه - أنها نزلت في المختصمين يوم بدر، وأول من برز من المؤمنين علي وحمزة وعبيدة بن الحارث - رضي الله عنهم - برزوا لعتبة وشيبة والوليد بن عتبة ( [120] ) .
وهذه فضيلة مشتركة أيضاً بين علي وحمزة وعبيدة بن الحارث، بل سائر البدريين يشاركونهم في هذه الخصومة، ولو قدر أنها نزلت في الستة ( [121] ) المبارزين ( [122] ) فلا يدل على أنهم أفضل من غيرهم، بدليل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - والحسن والحسين وأبا بكر ( [123] ) وعمر وعثمان [وغيرهم] ( [124] ) ممن هو أفضل من عُبيدة ابن الحارث باتفاق أهل السنة ( [125] ) .
فهذه منقبة لهم وفضيلة، وليست من الخصائص التي توجب كون صاحبها أفضل من غيره.
وأما سورة ﴿هل أتى﴾ ( [126] ) وقول من يقول: إنها نزلت لما تصدقوا على مسكين ويتيم وأسير، ويذكرون أن ذلك كان لما تصدقت فاطمة - رضي الله عنها - بقوت الحسن [6/ب] والحسين. وهذا كذب؛ لأن سورة ﴿هل أتى﴾ مكية بالإجماع، والحسنين إنما ولدا بالمدينة بعد غزوة بدر باتفاق أهل العلم، وبتقدير صحتها ( [127] ) فليس هذا ما يدل على أن من أطعم مسكينا ويتيما وأسيرا كان أفضل الأمة وأفضل الصحابة، بل الآية عامة مشتركة بين كل من فعل هذا الفعل، وهي تدل على استحقاقه لثواب الله تعالى على هذا العمل وغيره من الأعمال كالإيمان بالله والصلاة في مواقيتها والجهاد في سبيل الله تعالى أفضل من هذا العمل بالإجماع ( [128] ) .
وهذا جواب هذه المسائل والله تعالى أعلم.
واعلم أن كل ما يظن أن فيه دلالة على فضيلة غير أبي بكر ( [129] ) إما أن يكون كذبا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإما أن يكون لفظا محتملا لا دلالة فيه، وأما النصوص المفصلة [لأبي بكر] ( [130] ) فصريحة ( [131] ) مع دلائل أخرى من القرآن والإجماع والاعتبار والاستدلال والله أعلم.
[سبب تسمية الرافضة] ( [132] )
وإنما سموا رافضة لأنهم رفضوا أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - ولم يرفضهما أحد من أهل الأهواء غيرهم، والشيعة دونهم وهم الذين يفضلون عليا ( [133] ) على عثمان - رضي الله عنهما - ويتولون أبا بكر وعمر، فأما الرافضة فلها غلو شديد في علي ذهب فيه ( [134] ) بعضهم مذهب النصارى في المسيح وهم السبابة ( [135] ) أصحاب عبد الله بن سبأ ( [136] ) ، وفيهم يقول الحميري:
قوم غلو في علي [7/أ] لا أبا لهم وأجشموا أنفساً في حبه تعبا
قالوا هو الله جل الله خالقنا من أن يكون ابن شيئاً أو يكون أبا
وقد أحرقهم عليّ - رضي الله عنه - بالنار ( [137] ) .
ومن الروافض المغيرة بن سعد مولى بجيلة ( [138] ) ، قال الأعمش ( [139] ) : دخلت على المغيرة بن سعد فسألته عن فضائل علي - رضي الله عنه – فقال لي: إنك لا تحتملها، قلت: بلى، فذكر آدم عليه السلام فقال: علي خير منه، ثم ذكر من دونه من الأنبياء عليهم السلام فقال: علي خير منهم، حتى انتهى إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - فقال: علي مثله، فقلت: كذبت عليك لعنة الله، قال: قد أعلمتك أنك لا تحتمله.
ومن الروافض من يزعم أن عليا في السحاب، فإذا أظلتهم سحابة قالوا: السلام عليك يا أبا الحسن، وقد ذكر [ذلك] ( [140] ) بعض الشعراء ( [141] ) :
من الغَزّال منهم وابنِ باب ( [142] )
برئت من الخوارج لستُ منهم
يَرُدّون السلام على السحابِ
ومن قومٍ إذا ذكروا علياً
وأعلم أن ذاكَ من الصواب
ولكنّي أحبّ بكلّ قلبي
به أرجو غدا حُسن الثواب ( [143] ) ( [144] )
رسول الله والصِّديق حقا ( [145] )
تمت وبالخير عمت على يد أفقر عباد الله وأحوجهم إليه مغفرة: صالح بن أحمد بن عبد القادر، غفر الله له ولوالديه وللمؤمنين والمؤمنات.