تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومعلوم أنه استخلف غيره ( [87] ) قبله، وكان أولئك منه بهذه ( [88] ) المنزلة، فلم يكن هذا من خصائصه. ولو كان هذا الاستخلاف أفضل من غيره لم يخف ذلك على علي - رضي الله عنه - ولم يخرج إليه وهو يبكي ( [89] ) ويقول: ((أتخلفني في النساء والصبيان)) . ومما بين ذلك أنه بعد هذا الاستخلاف أمّر عليه أبا بكر عام تسع، فإن هذا الاستخلاف كان في غزوة تبوك في أوائلها، فلما رجع من الغزو وأمّر [3/ب] أبا بكر ( [90] ) على الحج ثم أردفه بعلي فلما لحقه قال: ((أميرٌ أو مأمور)) قال: ((بل مأمور)) ( [91] ) ، فكان أبو بكر يصلي بعلي وغيره، ويأمر عَلَى علي وغيره من الصحابة يُطيعون أبا بكر، وعلي يتعاطى نبذ العهود التي كانت بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين المشركين، لأن العادة كانت جارية أنه لا يعقد العقود ولا يحلها إلا رجل من أهل بيته، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يبلغ عني العهد إلا رجل من أهل بيتي)) ( [92] ) للعادة الجارية.

ولم يكن هذا من خصائص علي - رضي الله عنه - بل أي رجل من عترته نبذ العهد حصل به المقصود، لكن علي أفضل بني هاشم بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان أحق بالتقديم من سائر الأقارب، فلما أُمر أبو بكر عليه بعد قوله: ((أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى)) علمنا أنه لا دلالة في ذلك على أنه بمنزلة هارون من كل وجه؛ إذ لو كان كذلك لم يُقدَّم عليه أبو بكر لا في الحج ولا في الصلاة كما أن هارون لم يكن موسى يقدِّم عليه غيره، وإنما شبهه به في الاستخلاف خاصّة، وهذا أمر مشترك بينه وبين غيره.

وقد شبّه النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح أبا بكر بإبراهيم وعيسى، وشبّه عمر بنوح وموسى ( [93] ) ، لما أشارا عليه في أسارى بدرٍ: هذا بالفدى وهذا بالقتل. وهذا أعظم من تشبيه علي بهارون، ولم يوجب ذلك أن يكونا بمنزلة أولئك الرسل مطلقا، ولكن تشابها بالرسل: هذا في [لينه في الله وهذا] ( [94] ) [4/أ] في شدته في الله، وتشبيه الشيء بالشيء لمشابهته به من بعض الوجوه كثير في الكتاب والسنة وكلام العرب.

وأما قوله: ((من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه كيفما دار)) ( [95] ) .

فهذا الحديث ليس في شيء من الأمهات إلا في الترمذي ( [96] ) وليس فيه إلا: ((من كنت مولاه فعلي مولاه)) ( [97] ) وأما الزيادة فليست في الحديث، وقد سئل عنها الإمام أحمد - رحمه الله - فقال: ((الزيادة كوفية)) ( [98] ) .

ولا ريب أنها كذب لوجوه:

أحدها: أن الحق لا يدور مع شخص معين بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - لا مع أبي بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي - رضي الله عنهم –؛ لأنه لو كان كذلك كان بمنزلة النبي - صلى الله عليه وسلم - يجب اتباعه في كل ما يقوله، ومعلوم أن عليا كان ينازعه أصحابه وأتباعه في مسائل كثيرة ولا يرجعون فيها إلى قوله، بل فيها مسائل وجد فيها نصوص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - توافق قول من نازعه، كالمتوفى عنها زوجها وهي حامل، فإن عليا – رضي الله عنه – أفتى أنها تعتد أبعد الأجلين ( [99] ) ، وعمر وابن مسعود ( [100] ) – رضي الله عنهما – وغيرهما أفتوا بأنها تعتد بوضع الحمل ( [101] ) ، وبهذا جاءت السنة ( [102] ) . وسئل النبي - صلى الله عليه وسلم - - وكان أبو السنابل ( [103] ) يفتي بمثل قول علي - رضي الله عنه - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: [4/ب] ((كذب أبو السنابل قد حللت فانكحي)) ( [104] ) قوله لسبيعة الأسلمية ( [105] ) لما سألته عن ذلك.

وقوله: ((اللهم انصُر من نصره، واخذل من خذله)) خلاف الواقع؛ فإن الواقع ( [106] ) ليس كذلك، بل قاتل معه أقوام يوم صفين فما انتصروا ( [107] ) ، وأقوام لم يقاتلوا معه فما خذلوا كسعد ابن أبي وقاص ( [108] ) الذي فتح العراق لم يقاتل معه، وكذلك أصحاب معاوية ( [109] ) وبني أمية ( [110] ) الذين قاتلوه فتحوا ( [111] ) كثيرا من بلاد الكفار ونصرهم الله تعالى.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٢٣٩٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٢٣٩٨