لا يحس الإنسان تُجاهه بالخصومة واللَّدد، فالعلاقة بينهما قوامها الحب والألفة. والخضوع كله لله سبحانه وتعالى ( [186] ) .
قال تعالى: س ولله ملك السماوات والأرض ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون، وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون، هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ش ( [187] ) .
2 - عيوب الإجراء النقدي:
إن المنهج النقدي، إنما كان منهجاً نقدياً، لأنه يفترض فيه أن يقوم بوظيفة من وظائف النقد، التقويم، أو التفسير أو التوجيه، ومطامح أصحاب هذا المنهج - كما عند بسلر - تجعله يجمع بين التفسير والتقويم بدون انحياز لأي وظيفة من هاتين الوظيفتين. وحينما نتأمل نتائج المنهج في الكشف عن جماليات النص الأدبي التي تمثل جوهر أي نظرية نقدية لا نجد شيئاً، فالنص الأدبي في ضوء المنهج النفسي يستحيل إلى وثيقة نفسية، نعرف من خلالها عقد المؤلف وحصاراته، ولا نعرف شيئاً عن النص الأدبي، إلا فيما ندر فهو إذ يحلل النص لا يدلنا على ما ينطوي عليه النص من قيم فنية وجمالية تجعل منه أدباً له خصوصيته الفنية في الرؤيا والنسيج.
تقول إليزابيث دور: ((يبدو لي أن أي تناول للشعر عن طريق علم النفس فاشل منذ اللحظة الأولى، فعلم النفس يستطيع أن يقدم الكثير فيما يختص بالقوى اللاشعورية التي تعمل خلف مفهوم الفن، ولكن له حدوده التي تجعل منه أداة نقدية غاية في الضعف. فهو لا يستطيع أن يلمس العمل الفني ذاته، ولا يستطيع أن يميز بين الجيد والرديء)) ( [188] ) .
إن كل عمل أدبي يمكن أن نجد فيه نفسية منتجه، ولكن ما قيمة ذلك في موازين أدبية الأدب، وإذا كان هذا المنهج لا يكشف لنا الجيد من الرديء، فإنه لا يفرق بين الجيد والرديء. وهو منهج أحادي النظرة، لا يبحث في الأدب إلا عن دور اللاوعي والأدب نتاج الوعي واللاوعي معاً ( [189] ) .
وحين يولي اللاوعي قيمة في تفسير النص الأدبي، يصبح مسرحاً للرموز الجنسية يقول إريك إندرسون: ((وفي سبر ما هو جنسي تعوّد نقاد الأدب المتخصصون في التحليل النفسي أن يغتصبوا نزاهة الأعمال الفنية)) ( [190] ) .
ويقول آرنولدهوسر: ((أما عن دراسة الآثار الفنية بوصفها مطايا للرموز الجنسية فقد كانت باديء ذي بدء، من بين الفروع المحببة لأبحاث نظرية التحليل النفسي، لقد كانت هذه مهمة مجزية حقاً، يسهل أداؤها بطريقة آلية إن في قليل أو كثير، وليس من حد - فيما يظن - لتأملاتها الجسورة، ونتائجها المذهلة،.. وألف الناس في النهاية بل ضاقوا بذاك الزعم القائل بأن أي موضوع قد يكون رمزاً لأعضاء التناسل، وأن من الممكن أن نربط بين العلاقات الإنسانية جميعها تقريباً وبين موقف أوديب. وأن الفن يكتظ بصور الأمهات. وأن الأبطال ما كانوا يخشون شيئاً خشيتهم من الخصاء)) ( [191] ) .
لقد أصبحت كل دلالة رمزية في النص تصب في بنية فكرية واحدة تحرك النص هي بنية الجنس، وهذا التفكير الأعوج، والمنطق المضلل يغفل قيماً إنسانية جليلة القدر في الأدب؛ لأن المحلل النفسي يحاكم النص بمقتضى تصور مسبق، فهو يبحث عن دليل يعزز ذلك التصور، فذهب كثير من الباحثين انطلاقاً من هذا التصور إلى إيجاد دلالات غامضة لما هو غاية في المباشرة ( [192] ) ، وحين يستعصي ربط النص على هؤلاء بمنتجه، فتنعدم أو تتلاشى صورته فيه يرمى النص بالضعف، وعدم المصداقية ( [193] ) .
لقد حلل العقاد شخصية أبي نواس على أساس من نرجسيته، ونظر إليها النويهي في ضوء شذوذه الجنسي، ولاسيما في ولعه بالخمرة، التي كانت عنده تمثل شعوراً جنسياً، ورغبة كرغبة الولد في أمه ( [194] ) ، لكن هذا التفسير مع نشازه، لا يقدم لنا قيمة فنية لهذا الشعر تجعله رؤية خاصة، وشعوراً مميزاً بالأشياء لا نجده إلا عند أبي نواس.