تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعبقرية الإبداع الفني كامنة في هذه الصور الأسطورية التي تشكل قاسماً مشتركاً بين الناس، فهي التي تطلق قوى المخيلة للمبدع ((ومن هنا كانت الروائع في الأعمال الفنية خالدة ولا وطن لها. ذلك لأنها إنما تنبع من اللاشعور الجمعي، حيث ينبسط التاريخ وتلتقي الأجيال، فإذا غاص الفنان إلى هذه الأعماق فقد بلغ قلب الإنسانية، وإذا عرض على الناس قبساً من هذا المنبع العظيم عرفوا أنه منهم ولهم)) ( [133] ) .

والإبداع كما يعتمد على التسامي عند فرويد فإنه عند تلميذه يونج يعتمد على الإسقاط وهو ((العملية النفسية التي يحول بها الفنان تلك المشاهد الغريبة التي تطلع عليه من أعماقه اللاشعورية يحولها إلى موضوعات خارجية يمكن أن يتأملها الأغيار)) ( [134] ) .

وهذا الإسقاط يتم من خلال الرمز الناتج عن إطلاع المبدع حدسياً على اللاشعور الجمعي ولهذا كان إبداع الرمز أعظم وظائف اللاشعور ( [135] ) ؛ لأنه ((أفضل صيغة ممكنة للتعبير عن حقيقة مجهولة نسبياً)) ( [136] ) . والأسطورة هي جوهر هذا الرمز الذي عمد إليه الشاعر المعاصر ليستثمر قيم الفن والجمال فيه يقول د: أنس داود:

((لقد أثرت آراء فرويد ويونج على الأخص في الاتجاهات الأدبية المعاصرة، واعتبرت الأسطورة عملاً فنياً رمزياً، يستطيع أن يتكيء الفنان المعاصر على دلالاتها الخصبة في التعبير عن القيم، وعن المشاعر الإنسانية الأصيلة والمتطورة على السواء. فإنه بالتوسع في الدلالات الرمزية للأساطير وبانتقاء بعض العناصر دون بعضها الآخر في تمثل فني واعٍ، يمزج بين عالم هذه الأساطير وبين الرؤية الفنية الشاملة للإنسان وللعالم، يستطيع الشاعر المعاصر أن يحيل هذه الرموز الأسطورية إلى وسائط فنية ثرية بالعطاء، لقارئه، حيث تستثير في نفسه أعمق النوازع وأصدق الأحاسيس بجانب ما تشف عنه في استخداماتها الموفقة من اتجاهات فكرية معاصرة)) ( [137] ) .

التحليل النفسي والفكر الحديث:

لقد حظيت نظرية التحليل النفسي بكثير من العناية والاهتمام، وأثرت في الفكر الحديث تأثيراً عنيفاً حتى إنه ((لا تكاد توجد نظرية واحدة قد أحدثت ما أحدثته من الانقلاب في سير المجتمعات إلا نظرية دارون من قبل، ونظرية كارل ماركس التي سبقت فرويد في الزمن ولكنها لحقته في التنفيذ ... لقد اعتنقت آراءه الجماهير، يظاهرها في ذلك كثير من العلماء. ولم يكتفوا بنصوص نظرياته، بل توسعوا في تفسيرها على هواهم، وآمنوا جميعاً بأن الأمر الطبيعي هو أن تنطلق الغرائز من معقلها، ولا تقف عند حد إلا حد الاكتفاء)) ( [138] ) .

وقد رجع المفكر الإسلامي محمد قطب هذه الهزة العنيفة التي أحدثتها هذه النظرية إلى الأسباب التالية:

1 - الثورة على تعاليم الكنيسة التي رأى فيها الناس حجراً على الحريات، وسبباً للعقد والانحرافات الخلقية.

2 - انتصار النظريات العلمية على قيم الكنيسة، وتدميرها تدميراً شاملاً.

3 - الحرب العالمية الأولى، ونتائجها النفسية على الشباب المسجون في متاريس الحرب الذي قضى شبابه في السجون والخنادق والمعتقلات، وتعرض لحروب الميكروبات، والغازات السامة. فخرج هذا الجيل لا يفتش إلا عن إشباع غرائزه الحيوانية، فكان فرويد هو الهادي، والداعي إلى هذه السنة السيئة. فكان في نظرهم أحد صناع الحضارة الحديثة في القرن العشرين.

4 - ظهور بحوث في الفلسفة وفي علم الاجتماع تنطلق من تصورات فرويد للنفس الإنسانية فتسعى جاهدة لإثبات أن المجتمع قيد لحركة الحياة، وصيرورة الأشياء.

5 - الدعم الكبير الذي لقيته نظرية فرويد من اليهود حتى جعلوها من أهم الأسس التي تقوم عليها سياستهم وفكرهم الخاص، فقد ورد في بروتوكولات حكماء صهيون ما نصه ((يجب أن نعمل لتنهار الأخلاق في كل مكان فتسهل سيطرتنا.. إن فرويد منا وسيظل يعرض العلاقات الجنسية في ضوء الشمس لكي لا يبقى في نظر الشباب شيء مقدس، ويصبح همه الأكبر هو إرواء غرائزه الجنسية وعندئذ تنهار أخلاقه)) ( [139] ) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٢٣٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٢٣٧٦