2 - التحليل النفسي:
التحليل النفسي هو المدرسة الأخرى في علم النفس، وقد ذهبت هذه المدرسة في تحليل الشخصية إلى أن الشعور لا أثر له في سلوك الإنسان، فاللاشعور هو الذي يحدد سلوكيات الإنسان، ويحكم حركته في الحياة ((فالشخصية الإنسانية مثل كتلة الجليد العائمة في البحار القريبة من القطب لا يعلو منها فوق سطح البحر إلا جزء ضئيل، ويبقى معظمها مغموراً بالماء، وكذلك الشعور يؤلف جزءاً ضئيلاً من العقل، أما الباقي وهو ما يُعرف باللاشعور أو العقل الباطن فهو الجزء الأعظم، وليس ذلك فحسب بل إنه الجزء المهم من العقل)) ( [87] ) .
ويعود الفضل في بروز هذه المدرسة إلى الطبيب النمساوي “ سيجموند فرويد ” عندما أصدر عدداً من الدراسات التي تبحث في اللاشعور أو ما يسمى بالعقل الباطن، ثم جاء بعده عدد من تلاميذه أبرزهم “ إدلر ” و “ يونج ”. وقد كان غرض هذه المدرسة الكشف عن طبيعة القوى اللاشعورية في النفس الإنسانية ( [88] ) .
1 - فرويد:
قدم فرويد نظرية مهمة، وذائعة الصيت في تحليل الشخصية، فقد كان طبيباً نفسياً يعالج العصابيين ( [89] ) فأراد فهم سلوكياتهم، وتوجيهها وجهة صحيحة ( [90] ) . فجعل “ اللاشعور الشخصي ” محور السلوك الإنساني وهو ((مجموعة العوامل النفسية والفسيولوجية غير المحسوسة التي توثر في السلوك البشري)) ( [91] ) ، ولا يمكن فهم اللاشعور الشخصي عند فرويد بمعزل عن حديثه عن قوى النفس الثلاث الهو، والأنا، والأنا الأعلى.
أما الهو فمعناه ((كل ما هو موروث، كل ما يظهر عند الميلاد، كل ما هو مثبت في الجبلّة)) ( [92] ) .
وأما الأنا فالخصائص الرئيسة له أنه يسيطر على الحركة الإرادية، ويحفظ الذات ( [93] ) .
وأما الأنا الأعلى فهو ((راسب من رواسب فترة الطفولة الطويلة التي يعيش فيها الإنسان الناشيء معتمداً على والديه تتكون في الأنا منظمة خاصة يمتد فيها تأثير الوالدين هذا)) ( [94] ) .
إن كل ما يثبت في الجبلّة عند “ فرويد ” هو الطاقة الجنسية التي تبدأ من المرحلة الفمية عند الطفل ((فإلحاح الطفل في المص وتشبثه به في مرحلة مبكرة ينم بوضوح عن حاجة إلى الإشباع، على الرغم من أنها حاجة تنبعث عن تناول الغذاء وتتأثر به إلا أنها تسعى إلى الحصول على لذة مستقلة عن التغذية، وبالتالي يمكن ويجب أن توصف بأنها جنسية)) ( [95] ) ، وتتطور طاقة “ اللّبيدو ” مع الطفل إلى المرحلة السادية الشرجية والمرحلة القضيبية التي يتجلى فيها الشكل النهائي للحياة الجنسية ( [96] ) . ويأتي دور الأنا أو الذات الواعية التي تحاول الموازنة بين الرغبات الخاصة، والواقع الخارجي بكل ما فيه من سلطة وقيم اجتماعية، والأنا الأعلى ((ينشأ من تلبس الطفل بشخصية والده وحينئذ تنشأ “ عقدة أو ديب ” كنتيجة طبيعية لحب الولد لأمه جنسياً، يحول وجود الأب دون تحقيقه، فيتكون في نفس الطفل نحو أبيه شعور مزدوج طرفاه الحب والكراهية في آن واحد. ثم يتخلص الطفل من هذا الصراع أما البنت فإنها تتخذ المقابل، وتتخلص من العقدة [عقدة أليكترا] بزيادة تلبسها بشخصية أمها وعند ذلك ينشأ الضمير. وتكون مهمته الكبت والقمع للشهوات الجنسية غير المرغوب فيها، وذلك لحماية الذات من عسف ذوي السلطان في الخارج الأب أو المجتمع أو الدين أو التقاليد)) ( [97] ) .
وعلى هذا فغريزة الجنس هي عاصمة الغرائز، ينشأ الإنسان حاملاً في أعماقه هذه البذرة التي تصبح المحرك الرئيس لطاقاته في الحياة، ويغدو همه الوحيد في حياته هو إفراغ هذه الطاقة، إلا أن ذلك لا يتحقق على الوجه الأكمل حفاظاً على قيم المجتمع، وخوفاً من تعاليم السلطة، وهنا يأتي الحلم الذي تتحقق فيه الرغبة حين يخلد الأنا الأعلى في سباته العميق.
((وقد يكون الحلم صريحاً وواضحاً وربما لا يكون. وإذ ذاك تصبح لصور الحلم دلالة رمزية، فالصور التي تظهر في الحلم رموز الحقائق في اللاشعور: فالطائر ليس طائراً حقيقة بل رمزاً لشيء آخر قد يكون أما أو أباً، والطيران شبق جنسي، والسير إلى الشمال رغبة في الزنا بالمحارم)) ( [98] ) .