تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المثاقفة الراشدة نقدية أو غير نقدية تحتاج أولاً إلى أسس متينة تقوم عليها، تتمثل في الإيمان اليقيني بخصوصية الثقافة العربية الإسلامية، وأنها نتاج مرجعية مميزة، فالتفريط في هذه الخصوصية، أو التهاون في ثوابت هذه المرجعية الخالدة خيانة لله وللأمة.

لكن هذا الإيمان اليقيني لا يتحقق بالوعود وكتابة الاستراتيجيات على الورق وإنما يتحقق ببناء المؤسسات الثقافية وتشييد مراكز البحث وبناء العقول الواعية، والمراجعة الدؤوبة والنقد الذاتي والتثقيف المتواصل للمناهج والمعرفة.

لقد عجزت المؤسسات الثقافية في الوطن العربي عن إيجاد “ الكتلة الحرجة ” من العقول الحية التي تؤمن بأن الثقافة والمثاقفة غربلة دائمة، وتهذيب متجدد، فنشأت أجيال من “ المثقفين الموظفين ” تتخذ مسارين متعاكسين “ هروب من الثقافة العربية ” و “ هروب إلى الثقافة العربية ” وكلا المسارين نتاج صناعة ثقافة رديئة.

المثاقفة الراشدة إيمان بأن الحكمة ضالة المؤمن، ولكن الحكمة إبرة في كومة من القش تحتاج إلى صبر ومهارة في آن واحد. وهذا هو المنهج الذي نبحث عنه منذ أن كتب شكيب أرسلان قبل مائة عام لماذا تقدم الغرب، وتخلف المسلمون، وها نحن نعيد السؤال مرة أخرى بعد قرن من الزمان، فأين المنهج، وكيف يتحقق؟ هذا هو السؤال.

ولو أني جُعلت أميرَ جيشٍ لما قاتلتُ إلاّ بالسؤالِ

فإنّ الناس ينهزمون عنه وقد ثبتوا لأطراف العوالي ( [57] )

علم النفس - السند الفلسفي

فكر الأمة يشكل منظومة من الوعي في التصور والممارسة تنبثق من رؤية خاصة للكون والإنسان والحياة. ولهذا فإن نزع الأفكار من سياقاتها التي نبتت فيها نظر للشيء من غير جهته؛ بمقتضاه يغدو تفكيك تلك الأفكار وعرضها تحت مجهر النقد أمراً يفتقر إلى أبجديات المنهج العلمي الصحيح، ومن ثم تكون الأحكام المبنية على هذا النظر - وإن وقفت على شيء وأدركت أبعاده - مفتقرة إلى رؤية شمولية تتتبّع خيوط الأفكار كما نمت في رؤية الأمة التي نسجتها في ظلال تصور كوني خاص.

وعلم النفس بوصفه منظومة من الوعي بالسلوك، لا يصح النظر إليه ومحاكمته بمعزل عن سياقه الفكري والتاريخي والاجتماعي، الذي استمد منه رؤيته، وتحددت بموجبه أنساقه.

لقد نشأ هذا العلم في عصر التنوير في أوروبا معتمداً على ثلاثة علوم هي:

1 - الفيزياء.

2 - الفسيولوجيا.

3 - الفلسفة العقلية ( [58] ) .

وهذه العلوم الثلاثة تشكل لحمة الفكر المادي وسداه في الخطاب الغربي الحديث في القرن التاسع عشر الميلادي.

في الفيزياء ظهرت قوانين الحركة الآلية عند “ جاليلو ” و “ نيوتن ” فأكدا ما ذهب إليه “ كوبرنيقوس ” ونقضا نظرية “ بطليموس ” التي كانت تدين بها الكنيسة وتقول: إن الأرض هي مركز الكون، وإن الأجرام السماوية تدور حول هذا المركز ( [59] ) . جاء “ كوبرنيقوس ” فاكتشف في كتابه “ حركات الأجرام السماوية ” أن الأرض هي التي تدور حول الأجرام، وأيد جاليلو بتلسكوبه الذي صنعه ذلك عملياً، وعاد عن ذلك تحت تعذيب الكنسية، وجاء “ نيوتن ” بقانون الجاذبية وأيده بقانون رياضي مطرد ( [60] ) .

وجوهر ما ذهب إليه “ جاليلو ” و “ نيوتن ” ((أن الكون آلة ضخمة)) ( [61] ) وفسر “ نيوتن ” جميع ما يحدث في الكون على أساسٍ من حركة أجزاء المادة بنظريته التي تقول: ((إنه من الممكن تفسير ظواهر الطبيعة بربط بعضها ببعض دون حاجة إلى تدخل قوى خارجية عنها)) ( [62] ) أي أن الكون شبيه بالآلة في حركته.

وعرّف الفيزيائيون المادة بأنها: ((ما شغلت حيزاً من الفراغ، وهي صلبة وبسيطة وواضحة للعيان)) ( [63] ) وأن حركتها محكومة بنظام آلي لا يختل، فتركيب المادة، وترتيب أجزائها المكونة لها هما مصدر فهم الحركة وتفسيرها

((فما نحس به، وما يفوح عن الزهر من العطر، أو ينبثق عن الشمس الغاربة من اللون، أو ما نشعر به من المخاوف والآمال.. جميع هذه الظواهر مردها تبعاً للمذهب المادي إلى حركات أجزاء صغيرة من المادة، تنطلق في الفضاء طبقاً لقوانين حتمية حاسمة، هذه الأجزاء الصغيرة هي التي يتولد عنها علمنا بها، فليس العقل بعبارة أخرى إلا شعور هذه الأجزاء الصغيرة بذاتها)) ( [64] ) وبهذا يصادر المنهج المادي في فيزياء القرن التاسع عشر قيمة الإنسان الذي كرمه الله بالقوة العاقلة يقول جود: ((لكن هذا الانتصار التجريبي للمادية، كان يعاني من نقص كبير، لقد سلب الإنسان أهميته في النظام الكوني للأشياء، وأنكر عليه حقيقة عقله، ليس في تصميم الكون ما يدعو إلى إعلاء الإنسان)) ( [65] ) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٢٣٦٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٢٣٦٩