ووقع في قصة قوم شكوا أميرهم:» إنْ صَحّ ما ادعيتمْ عليه عزلناه وعاقبناه « ( [114] ) .
وقع يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان إلى والي خراسان ( [115] ) في المُسَوِّدَة ( [116] ) : نجم أمرٌ أنت عنه نائم، وما أراكَ منه أو مني بسالم « ( [117] ) .
ولمروان بن محمد آخرِ خلفاء الدولة الأموية توقيعات مأثورة ( [118] ) .
ولزياد بن أبيه والحجاج بن يوسف الثقفي توقيعات عدة ( [119] ) ،
فمن توقيعات زياد أن عائشة – رضي الله عنها – كتبت إليه في وُصَاةٍ برجل، فوقع في كتابها:» هو بين أبويه « ( [120] ) . ووقع في قصة سارق:» القطع جزاؤك « ( [121] ) .
ومن توقيعات الحجاج ما وقع به في قصة محبوس ذكروا أنه تاب: (ما على المحسن من سبيل) ( [122] ) .
ازدهار التوقيعات في العصر العباسي:
والحقّ أن التوقيعات الأدبية لم يكتب لها حظّ من الذيوع والانتشار إلا في العصر العباسيّ، وذلك حينما ازدهرت الكتابة الفنية، وتعددت أغراضها، وحلت محل الخطابة في كثير من شؤون الدولة وقضاياها، وأصبح الكاتب البليغ مطلبًا من مطالب الدولة تحرصُ عليه وتبحث عنه، لتسند إليه عمل تحرير المكاتبات، وتحبير الرسائل في دواوينها التي تعدّدت نتيجة لاستبحارها، واتساع نطاقها، وكثرة ما يجبى من الخراج من الولايات الإسلامية الكثيرة المتباعدة، وأصبح لا يحظى بالوزارة إلا ذوو الأقلام السيالة من الكتاب والبلغاء المترسلين كالبرامكة، والفضل بن الربيع، والفضل والحسن ابني سهل، وغيرهم من الكتاب الذين جمعوا بين الوزارة والكتابة الأدبية البليغة. وقد ألم بكثير من أخبارهم وآثارهم كتاب الوزراء والكتاب لأبي عبد الله محمد ابن عبدوس الجهشياري المتوفى سنة 331هـ، وكتاب تحفة الوزراء المنسوب لأبي منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي المتوفى سنة 429هـ.
بل إن الخلفاء العباسيين في العصر العباسي الأول (132 – 232هـ) كانوا يطّلعون على ما يرد إليهم من كتب ورسائل فيوقعون عليها، وصدرت عنهم توقيعات بليغة وصل إلينا منها قدر لا بأس به ( [123] ) .
وفي العصر العباسي الثاني (232 – 334هـ) والثالث (334 – 447هـ) شاعت التوقيعات على أقلام عدد من الكتاب والوزراء المشهورين من ذلك ما ذكره الثعالبي ( [124] ) أن الصاحب بن عباد (326 – 385هـ) رفع إليه بعضهم رقعة يذكر أن بعض أعدائه يدخل داره فيسترق السمع، فوقع فيها:» دارنا هذه خان، يدخلها مَنْ وفى ومن خان «. وكتب إليه إنسان رقعة أغار فيها على رسائله، وسرق جملة من ألفاظه، فوقع فيها:» هذه بضاعتنا ردت إلينا ( [125] ) «. ووقع في رقعة استحسنها ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ﴾ ( [126] ) .
شخصية كاتب التوقيعات:
في هذه البيئة الفنية الخصبة ازدهرت التوقيعات ( [127] ) ، وأنشئ لها ديوان خاص سمي بديوان التوقيعات، وأسند العملُ فيه إلى بلغاء الأدباء والكتاب ممن استطارت شهرتهم في الآفاق، وعرفوا ببلاغة القول، وشدة العارضة، وحسن التأتي للأمور، والمعرفة بمقاصد الأحكام وتوجيه القضايا. يقول ابن خلدون (732 – 808هـ) في ذلك:
» واعلم أن صاحب هذه الخطة لابد أن يتخير من أرفع طبقات الناس، وأهل المروءة والحشمة منهم، وزيادة العلم وعارضة البلاغة، فإنه معرض للنظر في أصول العلم لما يعرضُ في مجالس الملوك، ومقاصد أحكامهم، مع ما تدعو إليه عِشْرة الملوك من القيام على الآداب، والتخلق بالفضائل مع ما يضطر إليه في الترسيل، وتطبيق مقاصد الكلام من البلاغة وأسرارها « ( [128] ) .
وكان للتوقيعات البليغة الموجزة رواج عند ناشئة الكتاب وطلاب الأدب، فأقبلوا عليها ينقلونها ويتبادلونها ويحفظونها، وينسجون على منوالها.
يقول ابن خلدون:
» كان جعفر بن يحيى البرمكي يوقع القصص بين يدي الرشيد، ويرمي بالقصة إلى صاحبها، فكانت توقيعاته يتنافس البلغاء في تحصيلها؛ للوقوف فيها على أساليب البلاغة وفنونها؛ حتى قيل: إنها كانت تباع كُلُّ قصة منها بدينار « ( [129] )