تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تعقيب ومزيد من المناقشة:

بعد تتبعي في القرآن الكريم ومظان اللغة العربية تبين لي أن باب التنازع باب أصيل، وأن مذهب البصريين أسهل وأحسن وموافق تمامًا للقرآن الكريم حيث إن الأمثلة الواردة فيه تؤيد المذهب البصري في إعمال العامل الثاني في المعمول المتنازع فيه، وأما مذهب الكوفيين فلا يتوافق مع القرآن الكريم ألبتة وإن كان قد يوافق بعض الشواهد الشعرية ولكنها لقلتها لا تصل إلى درجة القياس.

لقد ذهب الكسائي وأيده هشام بن معاوية الضرير (ت 205هـ) وبعض المغاربة إلى أن الفاعل قد يحذف على نحو ما يلقانا في باب التنازع في مثل (قام وقعد علي) ففي رأيهم أن لفظة (علي) فاعل للفعل الثاني وأن الفعل الأول حذف فاعله، حتى لا يكون هناك إضمار قبل ذكر الفاعل ويتضح ذلك أكثر في حالتي التثنية والجمع، فمذهب سيبويه فيهما أن يقال في التثنية (ضرباني وضربتُ الزيدين) وفي الجمع (ضربوني وضربتُ الزيدين) . أما مذهب الكسائي وهشام وبعض المغاربة فيقال في التثنية: (ضربني وضربتُ الزيدين) وفي الجمع (ضربني وضربت الزيدين) فتوحد الفعل الأول معهما لخلوه من الضمير واستشهد في ذلك ببعض الأشعار، والذي قاله الكسائي ومن تبعه غير منطقي؛ لأن الفاعل له الأهمية الأولى دون سائر الأبواب كلها عند النحويين فلا يمكن حذفه.

أنا لا أوافق على جميع ما قاله النحاة، بل أنتصر لما ذهب إليه أبو عمر الجرمي وابن مضاء القرطبي أنه يمتنع التنازع في الأفعال المتعدية إلى مفعولين أو ثلاثة مفاعيل، وأنه ينبغي أن يقتصر في الباب على السماع والقياس عليه دون الإتيان بصيغ معقدة عسرة لم ينطق بها العرب ولا وقعت في أوهامهم لما في ذلك من تكلف لصيغ لم تأت عن العرب.

أنا أؤيد ما ذهب إليه عباس حسن أن باب التنازع مضطرب مائج بسبب كثرة الآراء والمذاهب المتعارضة التي لا سبيلَ إلى التوفيق بينها ولكني لا أؤيده في بعض العلل التي قدّمها في مناقشته حيث يقول: إن النحاة لا يبيحون أن يكون لفظ (محمد) فاعلاً للعاملين كليهما في مثل قولنا: قام وذهب محمد، بحجة أن العوامل كالمؤثرات فلا يجوز اجتماع عاملَين على معمول واحد.

وهو مذهب الفراء الذي يجيز توجه عامليَن إلى معمول واحد إذا كان موافقا، إن سلمنا بهذا وألغينا باب التنازع فما نقول في الصور الأخرى؛ لأنه قد يتنازع الفعلان فاعلاً ومفعولا به، نحو: (رآني ورأيت الرجال) وقد يطلب أحد الفعلين الاسم على أنه مفعول به والآخر على أنه فاعل، نحو: (رأيت ورآني الرجال) وقد يطلبان جره بحرف الجر، نحو قوله تعالى: ﴿اجْتَباهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيْمٍ﴾ [النحل: 121] .

وأما د. شوقي ضيف فقد ذكر آراء سيبويه والنحاة وما قاله أبو عمر الجرمي وابن مضاء ثم أعلن أن باب التنازع إنما هو من افتراضات البصريين والكوفيين وأنه حري بأن يحذف من النحو إذ يعرض صورا من التعبير لا تجري في العربية ولا نطق بها العرب.

هذا القول ليس مقنعًا، والأدلة التي قدّمها ليست مرضية، سبق أن ذكرت أن الصور التي لم ترد عن العرب تحذف من النحو، هذا لا يعني أننا نحذف الباب كله؛ لأن أمثلة التنازع قد وردت في التنزيل وفي كلام العرب فلا يمكن إنكارها.

وأما محمد صلاح الدين مصطفى بكر فقد ذهب إلى أنه ليس هناك تنازع بين الأفعال في المعمولات، فكل الأفعال موجهة للعمل في هذه الأسماء، وهذا القول قد يكون مستساغاً إذا كان العاملان يطلبان مرفوعا أو منصوبا وأما إذا كان الأول رافعًا والثاني ناصبًا أو إذا كان الأول ناصبًا والثاني رافعًا فلا يكون مستساغًا؛ لأن العاملَين لا يمكن أن يتوجه إلى معمول واحد في آن واحد.

الخاتمة:

أحمد اللهَ العليم الحكيم الذي أعانني على اجتياز درب هذا البحث الوصفي التحليلي المحفوف بالصعوبات؛ لأن مسائل باب التنازع غير المجلات في مظانها المختلفة تكاد تسيطر على كثير من مسائله. ولقد مهدت لي هذا الدرب رغبة قوية دفعتني إلى اجتيازه كلما اعتراني الفتور، ويشفع لهذه الرغبة القوية أن هذا البحث يدور في فلك التنزيل. ومن المعلوم أن النص اللغوي العربي يتمثل في القرآن الكريم والحديث الشريف والشعر والنثر؛ فالقرآن الكريم هو المنبع الأصيل بحيث لو استشهد الصرفي والنحوي استشهادا شاملا بنص قرآني لكانت كافية كلمة الصرف والنحو، ولجاءت القواعد موحدة وقد توصل هذا البحث المتواضع إلى كثير من النتائج الجزئية المتناثرة في موضوعاته وسأكتفي بذكر أهم هذه النتائج وهي على النحو التالي:

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٢٢٦٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٢٢٦٦