تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن كان المتنازع فيه ضميرًا منفصلاً منصوبًا، نحو: (ما ضربتُ وما أكرمتُ إلا إياك) جاز أن يكون من باب التنازع، وتكون قد حذفت المفعول مع (إلا) من الأول مع إعمال الثاني، أو من الثاني من إعمال الأول، إذ المفعول يجوز حذفه بخلاف الفاعل، وكذا المجرور المنصوب المحل، نحو: (قمتُ وقعدتُ بك) فعلى هذا يجوز التنازعُ في المضمر المنفصل والمجرور ولا سيما إذا تقدّم ذلك الضمير على العاملَيْنِ، نحو: (إياك ضربتُ وأكرمتُ) . ( [54] )

أي العاملين يعمل في حال التنازع:

اتفق البصريون والكوفيون على جواز إعمال أي العاملين شئت، ثم اختلفوا في المختار، فاختار الكوفيون إعمال الأول، والبصريون إعمال المتأخر.

" واحتجّ الكوفيون بالنقل والقياس على أن إعمال الأول أولى. أما النقل فلمجيئه في كلامهم كثيرًا، قال امرؤ القيس: ( [55] )

فَلَوْ أَنَّ مَا أَسْعَى لأَدْنَى مَعِيْشَةٍ كَفَانِيْ ولَمْ أَطْلُبْ، قَلِيْلٌ مِنَ المَالِ

فأعمل الفعل الأولَ، ولو أعمل الثاني لنصب (قليلا) وذلك لم يروه أحد. وقال المرار الأسدي: ( [56] )

وسُوْئِلَ لَوْ يُبِيْنُ لنا السُؤَالاَ

فَرَدَّ عَلَى الفُؤَادِ هَوًى عَمِيْدًا

بِهَا يَقْتَدْنَنَا الخُرُدَ الخِدَالاَ

وَقَدْ نَغْنَى بِهَا ونَرَى عُصُوْرًا

فأعمل الأول ولذلك نصب (الخرد الخدالا) ولو أعمل الفعل الثاني لقال: (تقتادنا الخرد الخدال) بالرفع". ( [57] ) " وقال عمربن أبي ربيعة: ( [58] )

تُنْخل فاسْتاكتْ بِهِ عُوْدُ إِسْحَلِ

إذَا هِيَ لَمْ تَسْتَكْ بِعُوْدِ أَرَاكَةٍ

فرفع (عود إسحل) ب (تنخل) ولو أعمل الثاني لقال: فاستاكت بعود إسحل؛ لأن استاكت لا يتعدّى بنفسه". ( [59] ) " وقال ذو الرمة: ( [60] )

لئيما أن يكونَ أَفَادَ مالاَ

وَلَمْ أَمْدَحْ لأُرْضيه بشعري

ف (لئيما) منصوب بأمدح بدليل الإضمار في قوله: لأرضيه". ( [61] )

أما القياس فلأن المتقدمَ أولى بالأعمال لاعتناء العرب به وجعله في أول الكلام. ومما يقوّي مذهبهم أن يقولوا: قد وجدنا من كلام العرب أنه متى اجتمع طالبان وتأخر عنهما مطلوب وكل واحد منهما يطلبه من جهة المعنى فإن التأثير للمتقدم منهما.

دليل ذلك القَسَم والشرط إذا اجتمعا فإن العرب تبني الجواب على الأول منهما وتحذف جواب الثاني لدلالة جواب الأول عليه تقول: (إنْ قَامَ زيدٌ واللهِ يَقُمْ عمروٌ، واللَهِ إِنْ قَامَ زيدٌ ليقُوْمَنَّ عمروُ) ، فكذلك أن يكونَ الاختيار إعمال الأول". ( [62] )

ودليل آخر أنه لا يجوز إلغاء (ظننت) إذا وقعت مبتدأة، نحو: ظننت زيدًا قائمًا، بخلاف ما إذا وقعت متوسطة أو متأخرة، نحو: (زيدٌ ظننت قائم، وزيدٌ قائمٌ ظننتُ) وكذلك لا يجوز إلغاء (كان) إذا وقعت مبتدأة، نحو: (كان زيدٌ قائما) بخلاف ما إذا كانت متوسطة، نحو: (زيدٌ كان قائمٌ) فدلّ على أن الابتداء له أثر في تقوية عمل الفعل.

واحتجّوا بأن إعمال الثاني يؤدي إلى الإضمار قبل الذكر، والإضمار قبل الذكر لا يجوز في كلامهم. ( [63] )

ودليل آخر" أنّا رأينا العربَ تراعي المتقدم في قولهم: (عندي ثلاثة ذكور من البط) ، و (عندي ثلاث من البط ذكور) ، فأتوا بالتاء مع ثلاثة لما تقدّم لفظ ذكور، وحذفوها لما تقدم لفظ البط، فدلّ ذلك على مراعاتهم المتقدم". ( [64] )

" وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنّ الاختيار إعمال الفعل الثاني النقل والقياس.

أما النقل فقد جاء كثيرًا، قال تعالى: ﴿آتُوْنِيْ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: 96] ؛ فأعمل الفعل الثاني وهو أفرغ، ولو أعمل الفعل الأول لقال أفرغه عليه، وقال أيضًا ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوْا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:19] ؛ فأعمل الثاني وهو (اقرءوا) ، ولو أعمل الأول لقال: اقرءوه، وقال الفرزدق: ( [65] )

بَنُوْ عَبْدِ شَمسٍ مِنْ مَنَافٍ وَهَاشِمِ

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٢٢٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٢٢٥٦