تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تهدف هذه الدراسة إلى تأصيل قاعدة التنازع من خلال أفصحِ الأساليب على الإطلاق والنصوص اللغوية الأخرى، والكشف عن تلوّن ظاهرة هذه القاعدة في هذا الأسلوب، وإظهار قاعدةٍ فتية قوية، وحسم اختلاف النحاة وتخليصه مما فيه من تقعيد وعسر شديدٍ، والوصول إلى نقطةٍ تكشِف عن الأسرارِ التي تَكْمُنُ فيها مشكلاتُ التقعيد وتقديم حلولٍ مناسبة لعلها تُرْضِيْ العلماءَ وتُقْنِعُ الفضلاءَ إن شاء الله تعالى.

مفهوم التنازع:

لا جرمَ أن النحويين اختلفوا في تحديد مصطلح (التنازع) وتعريفه، كما اختلفوا في وجه تسميته وجوانِبِه المختلفةِ، ولم يكن مصطلح التنازع معروفًا لدى سيبويه (ت: 180هـ) . إن القدماءَ لم يهتمّوا به اهتمامًا وافيًا؛ لأن العلومَ كانت في عُنْفُوَانِ شبابها، وتأتي معالجتُهُم له مبعثرةً في كتب النحو. فما نجده من مصطلحاتٍ عند أحدِ النحاة، كثيرًا ما نجد ما يُخالفُهُ لفظًا عند غيره، أو نجد هذا المصطلحَ لمفهوم آخر وذلك في موضع آخر، ناهيك عن تداخل المصطلحات بين العلومِ المختلفة؛ ( [5] ) لذلك أرى أن سيبويه يذكر مسائلَ التنازع تحت عنوان: " هذا باب الفاعِلَيْنِ والمفعُوْلَيْنِ اللّذَيْنِ كلُّ واحد منهما يَفْعَلُ بفاعِلِهِ مثلَ الذي يَفْعَلُ به وما كان نحو ذلك" ( [6] ) " وإن كان رحمه الله لم يجمعْ في الترجمة مسائلَ الباب كما جرت عادته في أكثر أبواب كتابه وإنما اكتفى منها ببعض مسائل الباب اتّكالاً على فهم الباقي في نثر المسائل أو من تفهيم الموقف، ... " ( [7] ) . وتابع الزجاجي (ت: 337هـ) وغيره سيبويه في هذا المفهوم وذكر أحكامَ التنازع تحت عنوان: " باب الفاعلَين والمفعولَيْن اللَّذَيْن يفعل كل واحد منهما بصاحبه مثل ما يفعل به الآخر" ( [8] ) . ونرى المبرّد (ت: 285هـ) يعرِض مسائلَ هذا الباب تحت عنوان:" الإخبار في باب الفِعْلَيْنِ المعطوف أحدهما على الآخر" ( [9] ) . وسار مسيرَه سابق الدين محمد بن علي بن يعيش الصنعاني (ت: 680هـ) فيعرض مسائلَه تحت عنوان: " عقد في باب إعمال الفِعْلَيْنِ اللَّذَيْنِ يعطف أحدهما على الثاني" ( [10] ) . ولم يتعرض الزمخشري (ت: 538هـ) لذكر مصطلح التنازع، ولكنه يذكر مسائله تحت باب الفاعل ويقول: " ومن إضمار الفاعل قولك ضَرَبَنِي وضَرَبْتُ زيدًا ... ولما لم يكن بدّ من إعمال أحدهما فيه أعملت الذي أوليته إياه" ( [11] ) . ويذكر موفق الدين ابن يعيش (ت: 643هـ) مسائلَ هذا الباب تحت

عنوان:" هذا الفصل من إعمال الفِعْلَيْنِ وهو باب الفاعلَيْن والمفعولَيْنِ" ( [12] ) . لقد ظهر هذا المصطلح في الوجود أول ظهوره لدى ابن هشام (ت: 671هـ) ( [13] ) . وقد تابعه النحاة الذين جاؤوا بعده، ويكاد يكون المصطلح قد ستقرّ في كتبهم، إلا أننا نجد أن بعضهم يستعمل مصطلحًا آخر أيضا معه، وهو مصطلح الإعمال بكسر الهمزة عند الكوفيين ( [14] ) .

يتضح مما سبق أن مصطلح (التنازع)) قد ظهرت باكورته في نهاية القرن السابع الهجري على الرغم من أن المفهوم كان واضحًا لدى سيبويه في النصوص لا في العنوان، ثم تطورّت واحتلّت مكانًا بارزًا في النحو العربي.

التنازع لغةً واصطلاحًا:

تعريفه لغةً:

يجدر بنا قبل أن نتحدّث عن تعريف التنازع اصطلاحًا أن نشير إلى معناه لغة: وهو مصدر على زنة (تَفَاعَلَ) والتنازع: التخاصم والتجاذب وتنازع القوم في الشيء: اختصموا، وبينهم نزاعة، أي خصومة في حق ( [15] ) .

تعريفه اصطلاحًا:

لقد عرّفه النحويون بتعريفاتٍ متعددة كلها تعطي المعنى نفسَه مع فروق بسيطة. ومرّ بنا أن سيبويه لم يقدم على عادته التي التزمها في كل موضوعاته تقريبًا أي تعريف دقيق مباشر له، ولكنه يتضح هنا من خلال العنوان حيث قال: " هذا باب الفاعلَين والمفعولَين اللَّذَيْنِ كل واحد منهما يفعل بفاعله مثل الذي يفعل به وما كان نحو ذلك.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٢٢٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٢٢٥٢